mercredi 16 janvier 2008

حينما حاولوا إذلال شموخ الريف


الحسيمة


حينما حاولوا إذلال شموخ الريف


عادل تشيكيطو


معتقلون سياسيون يتعرضون للقتل ويدفنون ليلا ولا أحد كان يعلم غير عامل الإقليم



بالريف الشامخ.. وفي غمرة انسياب الحزن الى قلوب ذويه، استوقفت الحسيمة موكب العاشقين لتحكي لهم قصة أناس قتلتهم المحن وسياط المخزن القديم.. الحسيمة المتوسطية العابقة بروائح الشهداء، تنعي أبناءها دون أن تمحوَ أسارير إبتسامتها التي غطت شواطئ الريف وجباله بجمال بارد يدرئ عنها كدمات الزمن الغادر. ومن الحسيمة انبعثت صرخات... معارضة أو متألمة. أصوات مبحوحة ببكاء الأرامل والأمهات. تشكي بطش أياد كاسرة قتلت وعذبت... يتّمت ورمّلت... أياد جعلت من مخافر الحسيمة مراكز جهنمية ترقد في حيطانها صرخات المعذبين ظلما وعدوانا. وإذ الحسيمة الوضاءة لا تنسى جشع الجلاد القاتل فهي لا تنسى تضحيات وسجايا العامل والتلميذ والطالب الذي قضى في مخافرها وشوارعها وهو لا يعرف لماذا قضي عليه. مدينة الحسيمة أو )بيـــّا كما يسميها أبناؤها، مدينة العشق والصمود والنضال... وموطن المناضلين الشرفاء اتخذت لأبنائها موقعا على ساحل البحر الأبيض المتوسط وطوقت زواياها بتضاريس الريف البهية، يبلغ عدد سكانها نحو 80.000 نسمة وهي عاصمة جهة تازة الحسيمة تاونات. تنتمي المدينة إلى منطقة الريف الكبرى. وتعتبر مدينة الحسيمة من بين المدن التي طالت الأيادي الآثمة براءتها الطاهرة، وهلكت شموخها وأنفتها، حيث عرفت هذه المدينة ما بين 11 و17 يناير 1984 أحداثا دموية كان القتل والتعذيب أحد عناوينها العريضة. إذ عمدت السلطات الأمنية إلى استعمال السلاح الناري خلال هذه الأحداث ردا على احتجاجات كانت قد اجتاحت مجموعة من المدن المغربية في شماله وجنوبه. وقد قامت السلطات الأمنية باستخدام أبشع الطرق من أجل وقف تلك المظاهرات بالحسيمة. وحسب شهود عيان كانوا من المواكبين لهذه الأحداث، فإن هذا الرد من قبل الأجهزة الأمنية كان قد وازاه رد آخر لسكان المنطقة حيث لجأ المتظاهرون منهم إلى التخريب ومواجهة رجال الأمن، وقد أدت هذه المواجهة إلى إصابة مواطنين أبرياء لا علاقة لهم بالأحداث نظرا لأن عملية إطلاق النار العشوائية كانت تستهدف الصغير والكبير دون تمييز، وكذلك لأن هذه العملية كانت في بعض الأحيان بمبادرة شخصية انتقامية من قبل بعض رجال الأمن. وقد أفاد بلاغ للحكومة كان قد صدر بمناسبة تلك الأحداث يوم 26 يناير 1984 أفاد على أن الأحداث الدموية التي عرفتها الحسيمة قد خلفت أربعة قلتى وأربعة جرحى من بينهم رجل أمن. وأشار الى أن كل الوفيات قد تمت معاينتها من طرف طبيب شرعي وسلمت جثامين القتلى لذويهم. غير أن تقريرا لهيئة الإنصاف والمصالحة جاء بعدما قامت هذه الأخير بتحريات بناء على طلبات ذات علاقة بالأحداث السالفة الذكر. حيث أن التقرير قد تضمن تحديد وفاة 11 شخصا وتمكنت تحريات الهيئة من توطين قبورهم بمقبرة )صاباديا . وقد تم نقل تلك الجثامين ليلا من مستشفى محمد الخامس الى المقبرة بحضور أعوان السلطة ودفنهم في غياب عائلاتهم باستثناء حالتين. كما وقفت الهيئة على عملية إتلاف متعمد لأربع صفحات من سجل استقبال المرضى بمستشفى المدينة ما بين 11 و 17 يناير 1984 وقالت شهادات من عمالة الحسيمة أن العامل في تلك الفترة هو المسؤول عن هذه الخروقات. ويذكر أن الأحداث وما تلتها من أيام عرفت اعتقالات واسعة النطاق شملت مواطنين أبرياء لا يد لهم في ما وقع. ونجمت عنها مضايقات لسكان الحسيمة وحصارا اقتصاديا واجتماعي أنهكها لفترة طويلة جدا. حيث يقول البشير الرامي أستاذ بإحدى ثانويات مدينة الحسيمة كان شاهد عيان على هذه الأحداث. إن الفترة ما بين 1984 و1989 كانت فترة جد حساسة إذ مباشرة بعد وقائع يناير 84 انتاب المخزن سعار الاعتقالات والاعتداءات والمضايقات فلم يدع يوما يمر دون أن يعتقل فيه أو يختطف أحد تلاميذ الثانوية التي كان يدرِّس بها البشير. وقد كان الآباء وخصوصا الأمهات بعد يأسهن من البحث عن أبنائهن يجلسن أمام الثانوية لعل أثر فلدات أكبادهن يظهر من خلال أصدقائهم وزملائهم. ويضيف البشير الرامي على أن مدينة الحسيمة عرفت محاصرة قوية من طرف المخزن وقتئذٍ. وكان نوع هذه المحاصرة يتعلق بإهمالها وصرف المشاريع التنموية عنها واعتقال أبنائها بمجرد الشك في انخراطهم في العمل السياسي أو النقابي أو الجمعوي. مما أدى الى تفشي مجموعة من الظواهر بهذه المدينة كرحيل أبنائها عنها خوفا من الإعتقال واستفحال البطالة والعوز المادي والفقر.. الى غير ذلك من المشاكل الإجتماعية التي خنقت وطوقت وحاصرت أهداب هذه المدينة المناضلة.. كما أن عمليات الإعتقال التعسفي والإختطاف أدت الى التعذيب والإعتداء على كرامة المواطن دون موجب حق وخلق لديه الإحساس بالرهبة وعدم الأمان والثقة في كل شيء له علاقة بممارسة حق من حقوق البشر في شتى المجالات. ويعتبر الناشط الجمعوي عيسى بويزيضن واحد من الضحايا الذين لا يربطهم بما عرفته الحسيمة من أحداث شيء سوى أنه كان فاعلا جمعويا اشتغل في مجال السينما والتفت حوله الجماهير التي اعتقدت عيون الأمن آنذاك أنها تحاول أن تعيد الكرة وتقضم عصا الأمنيين. فاعتقلوه ونكلوا به وأذاقوه من ويلات المخافر الأمنية ما لم يخطر له ببال. يحكي عيسى بويزضن عن هذه المعاناة ويقول )... أنا من مواليد 1959 زاوية سيدي يوسف إقليم الحسيمة، تابعت دراستي الابتدائية والثانوية بمدينة الحسيمة أما دراستي الجامعية فقد تابعتها بكلية العلوم بالرباط licence شعبة الفيزياء النووية في سنة 1984، و في هذه السنة بالذات عينت بمدينة الحسيمة بسلك التعليم ولحسن الحظ أو لسوء الحظ جددنا ناديا سينمائيا فقمت برئاسة المكتب في هذه السنة ونظرا للفراغ الذي كان بعد أحداث 1984، ومحاصرة الهيئات السياسية والجمعوية والنقابية حيث كانت هناك جمعية البعث الثقافي من أنشط الجمعيات تم حظرها، حظى نشاط النادي السينمائي إقبالا كبيرا من طرف تلاميذ ورجال التعليم والموظفين إلى غير ذلك، حيث قمنا بعدة أنشطة ومنها مهرجان الفيلم الفلسطيني . وكانت السلطات قد قامت في سنة 1987 بحملة هوجاء على الحركة التلاميذية حيث تم اعتقال أكثر من 600 تلميذ وتلميذة وأغلبهم أخذوهم من فراشهم بالنوم حيث تعرضوا لشتى أنواع التعذيب والتنكيل بما فيه الكهرباء والشيفون وغير ذلك بمخافر الحسيمة التي تحولت إلى مراكز للتعذيب والانتقام ومكانا للقتل والترهيب، وأنا كذلك اعتقلت في تلك الفترة، أنا الوحيد الذي لم أكن تلميذا حيث كنت رئيسا للنادي السينمائي، فحملوني المسؤولية في الإضرابات التي نشبت آنذاك، وبعد مكوثنا أكثر من 15 يوما في مخفر بالحسيمة مع التعذيب بكل أشكاله وألوانه من كهرباء وفَلَقَة وتعليق إلى غير ذلك. تم إطلاق سراحنا. و في أواخر شهر يوليوز 1987 كذلك أعادوا اعتقالي مع مجموعة من الأصدقاء منهم أحمد بلعيشي وأزاق بلعيد والمحداري جمال، أتو ليلا مع الثانية ونصف ليلا دخلوا من جميع أنحاء المنزل، حيث عندنا بابان و كان الوالدان نائمين، دخلوا عليهما ،،واستفزوهما وبدأوا في تفتيش المنزل. الله أعلم عن ماذا يبحثون، أخذوا يبحثون فلم يجدوا شيئا، اعتقلوني مقيد اليدين معصوب العينين والأم خارت قواها وأخذت تصرخ وتصرخ ولا من يسمع. نهروها و قالوا لها إما أن تسكتي أو - نجروك معاه -، و أخذوني إلى مخفر الشرطة بالحسيمة حيث مكثت هناك يومان معصوب العينين ومقيد اليدين لا ماء ولا أكل حتى اليوم الثاني، جاؤوا عندنا فأزاحوا عن وجهي العصابة وأعطوني لترا من الحليب وطرفا من الخبز وقالوا لي كل، - دارو بيا 10بهم -، وبعد 10 دقائق عصبوا عيني فأخذونا في سيارة للشرطة إلى اتجاه غير معروف حتى وصلوا بنا إلى مدينة الناظور، هناك أنزلونا وهناك بدأت رحلة العذاب الأخرى، من جميع أشكال التعذيب من كهرباء و فلقة وطيارة وperroquet، المهم أنا كنت أعلق 4 ساعات في اليوم وبعض الأوقات صباحا وليلا حتى شلت هذه اليد بقيت 8 أشهر لا أحركها، أما الرجلين و التنفس فحدث ولا حرج، حيث يدوم الشيفون والخنق بالماء أكثر من ساعتين، والكهرباء كذلك حيث الإنسان مكهرب كالخشب، مررنا على هذه المرحلة أنا ورفاقي الذين نالوا هم كذلك نفس التعذيب قرابة شهر، ثم أوقفوا التعذيب وبدأوا في معالجتنا، وفي 15من شتنبر1998 نقلونا إلى مخفر بالحسيمة حيث أقاموا بتغيير الملف في الناظور كانوا يستنطقوننا عن النشاط السياسي والثقافي، و لكن عندما أدخلونا إلى وكيل الملك أول كلمة التي نطق بها، هل تستعملون الشيرة، فاجأتنا هذه الكلمة من استنطاق في اتجاه معين إلى استهلاك الشيرة، قلنا له نحن لا نعرف الشيرة، و لم نسمع عنها، هذه هي الكلمة الأولى الوحيدة التي نطقنا بها وأمرنا بالمرور إلى كاتبه، من هناك أخذونا إلى الاستئناف، الذي لم يقبل الملف، أرجعونا إلى المخفر، ثم في المساء أخذونا إلى المحكمة الابتدائية ومنها إلى السجن وبعد يومين أرجعونا إلى المحكمة الابتدائية حيث مرت المحاكمة، كانت محاكمة صورية، لم نسمع من القاضي سوى ما إسمك؟ هل قمت بهذه الأفعال؟ ثم رفع الجلسة، و بينما نحن ننتظر رجوع القاضي لكي يستمر بالمحاكمة إذا بنا نسمع صوت يقول هيا إلى السجن، و بعد الأخذ والرد عرفنا منه بأن الجلسة قد رفعت، فنقلونا إلى السجن ففي يوم الغد وصلنا الحكم ب 5 سنوات نافذة، و بعد 10 أيام وصلنا خبر بأن الحكم لم ير القبول لدى عموم الجماهير بمدينة الحسيمة وبأن الحكم سيخفف، وفي محكمة الاستئناف كانت الجلسة مغلقة عبرنا فيها عن آرائنا، ثم بعد يوم آخر حكموا علينا بسنتين سجنا نافذة بالاستئناف، ومكثنا هنا في مدينة الحسيمة ثلاثة أشهر في السجن المدني، و بعد إضراب عن الطعام قمنا به تضامنا مع أحد رفاقنا الذي كان معتقلا هناك حيث قاموا بتحليق رأسه وجلده ووضعه في الكاشو كاستفزاز، بعد 15 يوما نقلونا إلى سجن تازة الذي كان فيه الإخوان الذين اعتقلوا سنة 1984 خلال أحداث الناضور ومنهم الأخ بودونت الذي كان معي في ) الشومبرا )كيف ما تيقولوا في chambre كيف ما تيقولوا في الحبس ، في صباح 22 دسمبر 1988 أفاقونا من النوم ألبسونا جلاليب القوات المساعدة فنقلونا إلى سجن تازة في سيارات القوات المساعدة الطويلة، مع شرطي ودركي ومساعد بالقوات المساعدة وحارسين من السجن، حين وصلنا إلى مدينة تازة وجدنا ذلك السجن كالجحيم، سجن لا يتلاقى فيه إنسان مع إنسان، كله حديد لا حركة، القمع على أشده، مكثنا على تلك الحالة 8 أشهر، حيث قمنا بحركة طلابية التي حسنا فيها شيئا ما وضعيتنا داخل السجن كالزيارة والمأكل، وبعد خروجنا من السجن ورغبة منا لإثبات أن القمع لا يرهبنا استمرينا في العمل الجمعوي والحقوقي.. وختاما... الذي أريد أن أقوله هو أن هذه المنطقة شهدت عدة تجاوزات وشطط في استعمال السلطة كتجربتنا نحن التي رأينا فيها ويلات كثيرة في مخافر الحسيمة والناظور وبالسجون و فيما يتعلق بنا كأشخاص وبعائلتنا القريبة والبعيدة تفاصيل قصة عيسى بويزضن ورفاقه الذين اعتقلوا إلى جانبه هي من بين الحكايا التي لفتت انتباه المهتمين بالخروقات الجسيمة في مجال حقوق الإنسان بالحسيمة وهي كذلك نافذة أطللنا من خلالها على أشكال التعذيب وتفاصيل الترهيب التي استهدفت المجتمع الريفي وسكان الحسيمة على وجه التحديد . إنها سعرة الجلاد التي حصدت القاصر والراشد.

vendredi 7 décembre 2007

الدار البيضاء كانت عاصمة في القمع أيضا2






الدار البيضاء كانت عاصمة في القمع أيضا




الحاجة الشعيبية الحداوية أ م محمد البارودي الحداوي تحكي بمرارة
طاردوا ابني في الشوارع بالرصاص



عادل تشيكيطو


الدار البيضاء نبض المغرب وإشراقه..رغم القهر والظلم وسفك الدماء رغم الكدمات والجروح ودموع الأبرياء رغم الإختطافات والاعتقالات والتعذيب والترهيب وتشريد أبناء هذه المدينة المقاومة ...فإن الدار البيضاء تظل شامخة شموخ بناياتها العصرية تتحدى القهر، ولسان حال أبطالها يقول لزبانية سنوات الرصاص القمع لايرهبنا والقتل لا يفنينا حبنا للوطن وأملنا في الحرية ينمي حب الحياة فينا ...
تعرضت الدارالبيضاء منذ الإستقلال لأشكال متعددة من القمع والقهر تمثلت في حملات القتل التي قامت بها السلطات القمعية والإعتقالات التعسفية التي شملت العديد من المواطنين الأبرياء . كما أن اليد الآثمة لم تدع بيتا من بيوت الدارالبيضاء كانت قد حفته السكينة إلا وأفجعت راحته بقتل أحد أفراده أو اعتقاله أو اختطفاه ومحاصرة بيته والتضييق على أفراد الأسرة وملاحقتهم في كل كبيرة وصغيرة. فقد عاشت البيضاء حالة من الحرمان والاضطهاد والقهر التعسفي والتضييق على الأسر وقمع الحرية والتي تكون متبوعة في العديد من الحالات بحرمان أبناء الدار البيضاء من الحق في الحياة وذلك إما بسبب التجاوز في استعمال السلطة أو الاستعمال غير المناسب أو المفرط للقوة من قبل السلطات العمومية أثناء مواجهة كل الأحداث الاجتماعية التي تعرضت لها الدارالبيضاء، أو نتيجة التعرض للتعذيب وسوء المعاملة أو خلال مواجهات مسلحة. ومما يزيد من هذا اللبس توفر بعض العناصر المكونة للاختفاء القسري والإعتقال التعسفي ورفض الكشف عن مصير الأشخاص المحرومين من حريتهم، بل إنه في حالات متعددة عندما كانت الأسر تذهب لتسأل عن ذويها فإنها تواجه بقمع ممنهج قصد تخويف المجتمع وبث الرعب لدى عموم المواطنين من خلال أخذ العبرة بتلك الأسر التي تتعرض لهذه الوصفات القمعية. بل إن من حالات الإعتقال والاختطاف والتعذيب مست في مرات متعددة ضحايا لم تكن لهم علاقة مباشرة بأي نشاط سياسي أو جمعوي أو نقابي. وغالبا ما تمت هذه الحالات في ظروف غامضة؟ وقد تحرت هيئة الإنصاف والمصالحة من خلال تحليلها لحالات الاختفاء القسري موضوع اختصاصها واستنتجت على أن هذا الفعل تم ارتكابه في حق أشخاص معزولين بصفة عامة، بعدما تم اختطافهم من محلات سكناهم أو في ظروف غير محددة. وتم احتجازهم في أماكن غير نظامية. كما أننا قد تطرقنا في الحلقة الأولى من سلسلة رحلة سنوات الرصاص كيف أن عبدالله أكريم تم اعتقاله وهو في طريقه مساء من محل عمله بأحد أفرنة الدارالبيضاء الى منزله وطلب منه بطاقته الوطنية التي لم تكن بحوزته فتم اعتقاله والزج به في مصير مجهول حيث اختطف هو وعشرون من المعتقلين الى جحيم أكدَز الرهيب. ولم تكن الدارالبيضاء مركزا لمواجهة مواطنين منها واعتقالهم وقتل البعض منهم فقط بل إن في أحيائها ضمت مجموعة من المعتقلات ومراكز التعذيب الرهيبة كدرب مولاي الشريف والكوربيس وكوميسارية المعاريف والمقاطعة 46 الى غير ذلك من معتقلات العار والتي ضمت مواطنين من الدارالبيضاء ومن مدن أخرى مغربية. ومن الممارسات الشنيعة التي استهدفت أبناء الدارالبيضاء عمليات النفي سواء منها الداخلية أو الخارجية المباشرة أو غير المباشرة. إذ كانت أجهزة القمع تلجأ الى ترحيل مجموعة من المواطنين الى مدن جد بعيدة إما في أقصى جنوب المغرب أو أقصى شماله ويمنع على المنفي مغادرة المدن التي رحل إليها إلا بإذن من السلطات بتلك المدينة. وفي حالات أخرى كان يضطر المضطهدون الى تغيير محل إقامتهم بالدارالبيضاء الى مدن أخرى للهروب من القمع والمضايقة التي يتعرضون لها يوميا من قبل الأمن. أما في حالات أخرى فإن المنفيين عندما كانوا يضطرون الى مغادرة التراب الوطني إما من طرف السلطة التي تقوم بترحيلهم الى دول يتعامل معها في هذا الإطار ويمنعونه من دخوله الوطن، كما تمارس عليهم مراقبة مشددة من طرف أمن تلك الدولة نظرا لأن السلطات المغربية تقوم برفع تقرير الى سلطات الدولة المستقبلة عن الشخص المنفي. ويقوم أحد المواطنين بالهرب عبر الحدود أو في حالة تخفي الى دول أخرى من أجل طلب اللجوء السياسي إن كانت له إمكانية فعل ذلك. فإنه يضطر إلى الإختفاء داخل أقنعة تنكر من أجل تفادي ملاحقات المخابرات المغربية التي كانت تقوم باختطافات من داخل الدولة الآوية كما وقع للمهدي بنبركة بفرنسا أو للمانوزي الذي تقول بعض الروايات أنه اختطف من الجزائر. هؤلاء المغاربة المغتربون قسرا في بلدان ضاقت بهم في أحيان متعددة. حيث يعيش هؤلاء رغم هروبهم من دائرة الخطر حالة من الذعر اليومي وعدم الإستقرار النفسي والإجتماعي ناهيك عن معاناة الإغتراب التي يقاسونها في حياتهم اليومية.
المناضل محمد البارودي الحداوي
الجرح الغائر في قلب أمه

ومن بين أولئك الذين يشهد لهم تاريخ المعاناة بمكابدتهم لأوجاع النفي والإغتراب ومواجهة كل أشكال القمع والإنتهاكات الجسيمة في مجال حقوق الإنسان نجد المرحوم محمد البارودي الحداوي أحد رموز الحركة الحقوقية والسياسية في فترة الستينيات بالمغرب والذي وافته المنية ببروكسيل في 21 ينويو 2007. ويعتبر محمد البارودي من بين المناضلين الذين تمت محاصرتهم ومحاولة تصفيتهم سنة 1962 بالدارالبيضاء وهو من مواليد سنة 1934 ويعتبر من الطلاب الذين شرفوا بلادهم في دمشق في بداية الخمسينيات خلال دراسته الثانوية بها وعاد الى المغرب ليشتغل كمحرر بجريدة التحرير آنذاك ثم سافر الى يوغسلافيا لدراسة تجربة التسيير الذاتي، ليعود الى المغرب مجددا من أجل أن يدرس التجربة في مختلف مناطق المغرب. الى أن تمت ملاحقته من طرف أجهزة أوفقير التي أوكل لها قمع واعتقال المناضلين النشطين داخل التنظيمات السياسية، ويرحل هربا الى باريس ولم يعد الى المغرب إلى أن وافته المنية ببلجيكا. وللتعرف أكثر على حياة هذا المناضل انتقلنا الى مديونة ودخلنا زوارا على أمه الحاجة الشعيبية بنت وعدود البالغة من العمر 96 سنة، وبحرقة الاشتياق الى إبن أخذته منها، دقائق الزمن البائد من سنوات الرصاص حكت لنا عنه وقد امتزج في صوتها لحن الفخر بابن دافع عن الحرية والديمقراطية وحق الناس الى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، وحرقة الإشتياق لفلذة كبدها البكر الذي غاب عنها ولم يعد. تحكي الحاجة الشعيبية بألم وهي تقول )ليس غريبا أن يكون أحد أبنائي من بين المناضلين المدافعين عن حقوق الناس. فهو سليل عائلة مناضلة وقفت في وجه الظلم والاستعمار. فنحن من قبيلة الهراويين كانت لنا أراضٍ شاسعة للرعي والفلاحة تدعى بلاد قانية طردنا منها المستعمر بالقوة وواجهه أبناء العائلة غير أن يد الظلم كانت أقوى حيث رحلنا ولم نتمكن من استرجاع أرضنا لحد الآن. فاستقرينا قرب مديونة بأولاد مجاطية. تزوجني الحاج الميلودي البارودي وأنا في سن 16 ولدت عشرة أبناء كان أكبرهم محمد البارودي سنة 1934. كان جديا ومثابرا تابع دروسه بالمدينة القديمة بالدارالبيضاء وذهب الى سوريا ثم الى فرنسا ويوغوسلافيا من أجل الدراسة ثم رجع الى المغرب ليعمل بجريدة التحرير وهو منخرط بأحد الأحزاب. من ثم بدأت مضايقته ومحاولة تصفيته في العديد من المرات أتذكر منها يوما أنه كان في طريقه صباحا الى مقر الجريدة التي يعمل بها، وإذا بدراجته النارية تتعطل فتأخر عن عمله لإصلاحها. وعندما وصل إلى مقر عمله، إذا به يفاجئ بأن مكتبه تعرض لعملية تفجير. حجبه عن الموت بها لطف الله ورضاه الوالدين. وما يؤكد استهدافه من طرف المخزن هو أنه في أحد الأيام وهو في وسط المدينة يمشي مع أخوه وإذا بستة رجال بلباس مدني يطاردونه. هرب أخوه في اتجاه وهو في اتجاه آخر وسمع أخوه طلقات الرصاص، ظن أن محمد قد قضي عليه، إلاأنه بعد ذلك التحق به في شقته وطلب منه أن يذهب نحو مكتبه ومنزله ويجمع أغراضه ويحتفظ بها. وأخبره أنه مسافر. غادر بعد ذلك نحو فرنسا، وقد انكب في الوهلة الأولى على متابعة دراسته، فكان أبوه الحاج الميلودي يرسل إليه شهريا نقودا من أجل إتمام دراسته. غيرأن أخباره انقطعت بعدما تم اختطاف بنبركة وتعرض لمضايقات بفرنسا فهرب مجددا وكانت وجهته هذه المرة هي الجزائر، وخلال انتهاء فترة بنبلة وتولي بومدين رئاسة الجزائر والذي قام برفض المغاربة اضطر محمد الى مغادرتها متجها هذه المرة نحو بلجيكا. هناك استقر في )شانجوزي سنة 1966 واشتغل هناك كأستاذ لمادة الرياضيات وبعد تلك الفترة بدأت بين الفينة والأخرى تصلنا عنه أخبار متواترة غير أننا كنا نتكتم عنها حتى لاتتم ملاحقته من جديد. انخرط ابني محمد في العمل لأجل مصلحة المهاجرين ببلجيكا وأوربا عموما وكنت أفتخر لكونه يخدم الناس ويعمل لصالح المغاربة المغتربين في أرض المهجر. كان كأبيه الحاج الميلودي يعملان لصالح العموم ومستعدان للتضحية في سبيل الوطن فقد كان بيتنا مقرا لاجتماعات زعماء الحركة الوطنية كعبدالله إبراهيم وعلال الفاسي رحمهما الله. وقدم زوجي أرضا لبناء مجموعة مدارس وطلب مني أن أفعل ذلك لبناء مسجد. وكذلك كانت روح محمد ولدي الذي كنت أصارع الآلام والأحزان وأتشبث بالحياة كي يكتب لي رؤيته، لكن القدر أخذه مني دون أن أراه، وتلك مشيئة الله... تقليدي على اللي كان السبب .. . بهذه العبارات المحزنة ختمت الحاجة الشعيبية كلمتها وقد قهرها المرض والحزن وحرقة الإنتظار انتظار ابن كتب له أن يقضي أكثر من أربعين سنة في أرض الغربة ممنوعا من دخول بلده واستنشاق هوائه والنظر في أفق سمائه

الدار البيضاء كانت عاصمة في القمع أيضا


الدار البيضاء كانت عاصمة في القمع أيضا


حينما صدرت أوامر مشددة تقول لاتتركوا أحدا يمشي على ساقيه


إعداد عادل تشيكيطو


الدار البيضاء نبض المغرب وإشراقه..رغم القهر والظلم وسفك الدماء رغم الكدمات والجروح ودموع الأبرياء رغم الإختطافات والاعتقالات والتعذيب والترهيب وتشريد أبناء هذه المدينة المقاومة ...فإن الدار البيضاء تظل شامخة شموخ بناياتها العصرية تتحدى القهر، ولسان حال أبطالها يقول لزبانية سنوات الرصاص القمع لا يرهبنا والقتل لا يفنينا حبنا للوطن وأملنا في الحرية ينمي حب الحياة فينا ...
تشكل مدينة الدار البيضاء كازا بلانكا بدون شك إحدى أندر المدن المغربية التي استفادت بشكل كبير، منذ بداية القرن
العشرين من اهتمام خاص من طرف المسؤولين سواء على مستوى الإدارة الترابية أو على مستوى تنظيم مجالها. وقد ارتبط هذا الاهتمام بمتطلبات النمو السريع للمدينة وما يرافقه من تطور على الصعيد الاجتماعي. وتبقى حاضرة الدار البيضاء الوحيدة من بين مدن المغرب العربي التي لا تجمع بين الوظيفتين السياسية والاقتصادية. وهو ما يمكن اعتباره حظا بالنسبة لها يعفيها من أن تكون مهيمنة على المستوى الوطني اقتصاديا وسياسيا. وتعتبر الدار البيضاء مركز نشاطات جد متنوعة تجعل منها الحاضرة الاقتصادية الأم على مستوى المغرب العربي نظرا لمعدل الوظائف التي تخلقها خاصة على مستوى قطاع خدمات الأعمال. بلغ عدد سكان ولاية الدار البيضاء الكبرى 3,631,061 نسمة في الإحصاء المغربي الرسمي لعام 2004 بحيث يشكل سكانها نسبة 12,15% من إجمالي سكان المغرب . وقد قدمت هذه المدينة من النضالات والتضحيات في مواجهة الإستعمار . ما يشهد لها التاريخ بذلك ، إذ كانت الدار البيضاء من بين المدن المغربية الكبرى التي شكلت النواة الأولى للحركة الوطنية وكذلك للمقاومة التي عملت وضحت بالغالي والنفيس من أجل دحض الاستعمار ولعل قائمة الشهداء والمقاومين الذين يزينون قائمة الوطنين المنتمين إليها لخير دليل على ما قدمته هذه المدينة المناضلة من تضحيات . .
كما عرفت المدينة في فترات الاضطراب التي تلت استقلال المغرب اختطاف المئات من المغاربة، من بينهم معارضون سياسيون بارزون، اختطفوا خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، في أوج الصراع بين المعارضة و النظام المغربي .واختفى المئات من المعارضين السياسيين في اضطرابات سياسية واجتماعية بدأت على الخصوص خلال ما عرف بـ انتفاضة الريف ) بشمال المغرب سنة 1958، ثم في انتفاضة العام الموالي.
بعد ذلك، تلتها اضطرابات كانت أهمها تلك التي حدثت في مدينة الدار البيضاء سنة 1963، ثم الاضطرابات الخطيرة لسنة 1965، وماتخللتها من أحداث كاختطاف المهدي بن بركة بأحد شوارع باريس في فرنسا، إذ ما زالت قضية اختطافه ومقتله غامضة. وبعد حوالي خمس سنوات من الهدوء النسبي والحذر، والذي يسبق العاصفة عاد المغرب إلى أجواء القلق بعد المحاولتين الإنقلابيتين لسنة 1971 و 1972 ، وقد أثرت هذه العمليات بشكل كبير على الجو العام بالمغرب وعلى الدار البيضاء باعتبارها القلب النابض للمغرب والذي يتحرك بحركيتها ويهدء بهدوئها ، الشئ الذي حدث أثناء إضرابات 1981 و1984 التي انطلقت لتعم كل المدن القابعة تحت وطأة الفقر والبؤس وسوء المصير . خصوصا بعدما مست القرارات السياسية أمن وعيش المواطن البسيط . بالرجوع الى أبرز الأحداث التي عرفتها الدارالبيضاء وأكثرها ضراوة أحداث سنة 1965 حيث شهدت هذه الأحداث مواجهة عنيفة بين المتظاهرين من أبناء البيضاء وقوات الأمن التي كان يدير عملياتها الجيش وعلى رأسه الجنرال أوفقير الذي تقول شهادات أن تدخله في أحداث 1965 كان مباشرا وأنه هو من شدد على أن يكون تدخل الجيش بالسلاح والرصاص حتى تكون مجزرة الدارالبيضاء عبرة لكل من سولت له نفسه التظاهر والمطالبة بأبسط الحقوق. وبالفعل فإن مذبحة الدارالبيضاء خلفت ضحايا كثر رصدت هيئة الإنصاف والمصالحة بشاعة ماتعرضوا له. فقد جاء في بلاغ صدر عن وزارة الأنباء والسياحة والفنون والصناعة التقليدية أن الأحداث خلفت سبعة قتلى من المواطنين تتراوح أعمارهم مابين 30 و 60 سنة بينما جرح 45 شرطيا و 24 من القوات المساعدة وتضررت سيارات للشرطة وأضرمت النار في دراجات نارية وسيارة تابعة لمفتشية الشرطة وألقي القبض على 168 شخصا أحيلوا فورا على المحاكم. غير أن البحث الذي أجرته هيئة الإنصاف والمصالحة بخصوص هذه الأحداث وبالإعتماد على السجل الخاص بمصلحة حفظ الأموات الموجود أنذاك بعين الشق بالدارالبيضاء، فإن عدد المتوفين وصل الى عدد 31 متوفى بالرصاص. ومن خلال اطلاعها على المعلومات المتضمنة بسجلات المستعجلات والإستقبال بمستشفى ابن رشد تبين للهيئة وجود ملاحظة تشير إلى حدوث وفيات أعقبت دخول عدد من الجرحى إلى المستشفى ويبلغ عدد الوفيات تسع حالات. ومكن الإطلاع على المعلومات المتوفرة بسجل الدفن بمقبرة الشهداء بالدارالبيضاء على وجود خمسين حالة وفاة. وتمكنت الهيئة من خلال تحريها وبحثها في هذه السجلات من التعرف على هوية 28 منهم وقد بدأت عملية التسجيل في المستشفيات انطلاقا من يوم المواجهة 23 مارس 1965 إلى غاية 25 منه وكان من ضحايا هذه المواجهة عدد كبير من الأطفال ومن بينهم طفلة لايتجاوز عمرها أربع سنوات. بما يبين وحشية هذه التدخلات. وفي 28 ماي 1981 عندما أقدمت الحكومة على الزيادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية نشبت أحداث يونيو من نفس السنة ودعت النقابات أنذاك إلى التعبئة الشاملة من أجل حمل المسؤولين على التراجع عن الزيادات المذكورة وقد استجابت الحكومة جزئيا لتلك الزيادات بنسبة 50 مالم تقبله تلك النقابات ودعت إلى خوض إضراب عام لمدة 24 يوما انطلاقا من 15 يونيو واستمر بعد 18 يونيو مما أدى الى اندلاع مظاهرات بالحي المحمدي مساء نفس اليوم نددت بالحكومة وبقراراتها، وهو ما جعل السلطات تقوم بسلسلة اعتقالات في صفوف المواطنين واعتداءات من طرف رجال الأمن كان أبرزها التدخل العنيف الذي لاقاه عمال النقل الحضري بدرب غلف بعدما أمرتهم السلطات بعدم التوقف عن العمل ولم ينصاعوا لقرارها. فكان أن تدخلت بعنف لإجبارهم على العمل في 20 يونيو 1981. وأمام تنامي موجة إقفال الدكاكين والمتاجر ورغم التواجد المكثف لقوة الأمن استمر إضراب التجار والحرفيين في أهم المراكز التجارية بالدارالبيضاء أنذاك كدرب عمر وسباتة وابن مسيك والقريعة وغيرها. وعرف الإضراب نسبة عالية من المشاركة في قطاعات النقل الحضري والبلديات والبريد والسكك الحديدية. وفي إحدى صباحات يونيو أجبر متظاهرون حافلة على التوقف، الشيء الذي جعل قوات الأمن تتدخل بقوة وفي نفس الوقت أخذت هذه القوات موقعها في الشوارع المؤدية الى ساحة السراغنة وتم تطويق شارع الفداء وطريق مديونة ودرب الكبير من طرف أزيد من ألف شخص وأقفلت جميع المقاهي، وبدأت قوات الأمن تجوب الشوارع والأزقة تطارد المارة وتعتقل من وجدته في طريقها. وشوهدت مرواحيات تقوم بالعملية في فضاء المدينة. وحوالي الساعة الثانية بعد الزوال من 20 يونيو 1981 أعطيت التعليمات للمستشفيات وكذا لسيارات الإسعاف من أجل التعبئة القصوى حيث تصاعد استفحال الرصاص إلى درجة استهدف كل المارة صغيرا وكبيراً. وحسب بلاغ صادر عن وزارة الداخلية فإن الأحداث خلفت ستة وستون قتيلا ونهبت محطات بنزين وصيدليات ومصنعين وعمارتين ومكاتب بنكية و54 سيارة و43 حافلة نقل عمومية. ومن خلال شهادة المحافظ السابق الذي أوكلت له مهمة ملحقة حفظ الأموات بالبيضاء أمام لجنة تابعة لهيئة الإنصاف والمصالحة فإن عدد المتوفين في تلك الأحداث بلغ حوالي سبعون، من بينهم أطفال ونساء ورجال. وحسب مصادر فإن السلطات كلفت رجال الوقاية المدنية بأخذ الجثت من مصلحة حفظ الأموات سواء منها المكفنة أو الغير مكفنة إلى مكان غير معروف في ساعة متأخرة من الليل. ويذكر أن الوفيات لم تكن فقط نتيجة للقمع بالرصاص بل إن السلطات قامت باعتقال أكبر عدد من المواطنين كما وقع بحي البرنوصي حيث تم حجز عدد كبير من المعتقلين بالمقاطعة 46 التابعة إلى تراب حي البرنوصي وكانت الزنزانة التي ضمت هؤلاء المحتجزين تستعمل من طرف القوات المساعدة وتبلغ مساحتها 18 متر مربع وأربعة أمتار طولا وعرضا وهو ما أدى إلى اختناق هؤلاء المحتجزين وموت العديد منهم خصوصا الأطفال وقد وصل عدد المعتقلين إلى 153 معتقلا. ونظرا لشدة الحرارة فقد بدأت حالات الإغماء والاختناق وارتفعت الأصوات من داخل الزنزانة مطالبة بالماء دون أن تجد من يروي عطشها. وبالنظر إلى الأحداث وإلى ما تخللته من جرائم إنسانية وانتهاكات فاقت الجسامة في مجال حقوق الإنسان، وبالتمعن الشديد في عمليات الترهيب والقتل العمد وعدم تقديم المساعدة للجرحى يتضح جليا للقارئ في صفحات هذا الزمن المظلم أن الذين أعطوا الأوامر بقتل الناس وردعهم بالرصاص هم شخوص أقل ما يمكن أن نقوم به في شأنهم هو أن نتنكر لانتمائهم إلى هذا الوطن الذي صنع من أيام تاريخه بطولات المجد والسلام وحماية الرعاة لرعاياهم. فما معنى أن يعطي جنرالات أوامرهم بعدم تقديم المساعدة للجرحى؟ وبإطلاق الرصاص في وجه كل من صودف في الشارع. فقد أكدت شهادات أن السلطات قامت بإطلاق النار بالذخيرة الحية منذ الوهلة الأولى ولم تلجأ إلى استعمال الرصاص المطاطي الذي من شأنه أن يخفظ ولو بشكل نسبي من عدد الضحايا. كما أن هؤلاء الجزارين أحجموا في مرات متعددة على تقديم العون والمساعدة لمواطنين مصابين بما في ذلك أطفال توفوا نتيجة إطلاق الرصاص المصوب عمداً نحو المنازل. فقد كان يُستهدف بالرصاص كل بيت ترك نوافذه مفتوحة فيتم إصابة أشخاص لا علاقة لهم بالأحداث. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحالة من الاستنفار المفرط لقوات الأمن عرفت إقصاء رجال الشرطة من مهمة حفظ الأمن وأوكلت العملية إلى ثكنة الدرك الملكي بعين حرودة والجيش وهو ما جعل التدخلات أكثر وحشية. خصوصا بعد تلقي أوامر جد مشددة بعدم ترك أحد يمشي على رجليه بالدار البيضاء على حد قول أحد الشهود. ولم تكن الدار البيضاء مستهدفة أثناء أحداث يونيو81 بل حتى في دجنبر ويناير من سنة 1984. حيث شهدت المدينة نفس العمليات القمعية.
يقول بشعيب بنبارك تاجر بدرب عمر شاهد على هذه الأحداث " لقد عشت أحداث الاستعمار ومواجهة المقاومة المغربية له وقد كنت طفلا أنذاك. وكنا نحن في الدرب نسمي بعضنا بأسماء الأبطال الذين استشهدوا أو مازالوا يقاومون الاستعمار الفرنسي وشاهدت ما من مرة العمليات الفدائية التي قام بها الوطنيون بالدار البيضاء وشاهدت بعض من المواجهات المسلحة التي دارت بين المقاومين والمستعمر، غير أني تمنيت لو متُّ ولم تبصر عيني أبناء جلدتي يرسلون رصاصاتهم بنشوة نحو أبدان أبناء وطنهم تحت ذريعة حفظ الأمن العام فقد رأيت بأم عيني كيف أزهقت أرواح الأبرياء دون موجب حق لا لشيء سوى لأن البعض من أبناء البيضاء عبروا عن مواقفهم اتجاه قرارات الحكومة القاضية برفع الأسعار على حساب المواطنين... ورغم أن الشعارات التي نراها بالتلفاز والجرائد ونسمع عنها في الأماكن الرسمية تقول أننا في زمن المصالحة غير أني لا أرى مصالحة بدون اعتذار هؤلاء الذين حملوا السلاح في وجوهنا عمداً تحت ذريعة حفظ الأمن العام.. والحقيقة أنهم هم من زعزعوا الأمن العام وسكينة هذا البلد
... .

jeudi 6 décembre 2007

مراكش الحمراء التي اكتوت بعذابات أبنائها



مراكش الحمراء التي اكتوت بعذابات أبنائها



ماريا الزويني تحكي التفاصيل



كنت رفقة اجبابدي وبودة والبواب والبيه والبخاري نتناوب على الـمرحاض




إعداد عادل تشيكيطو




مراكش الحمراء أو مدينة النخيل أو كما يحب أن يطلق عليها أصحابها )البهجة مدينة مغربية تقع في وسط المملكة. اسم مراكش تبسيط لعبارة أمور ن أكش التي تعني بالأمازيغية أرض الله أو أرض الرب. وصفت مراكش بأنها المدينة الحمراء، الفسيحة الأرجاء، الجامعة بين حر وظل ظليل وثلج ونخيل، عاصمة دولة المرابطين والموحدين والسعديين، قال فيها صاحب وفيات الأعيان: مراكش مدينة عظيمة بناها الإمام يوسف بن تاشفين. وذكرها صاحب معجم البلدان وقال: مراكش أعظم مدينة بالمغرب وأجلها. ووصفها مؤرخها ابن المؤقت المراكشى وقال بأنها: مدينة لم تزل من حيث أسست داشر فقه وعلم وصلاح، وهى قاعدة بلاد المغرب وقطرها ومركزها وقطبها، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، بسيطة الساحة ومستطيلة المساحة، كثيرة المساجد، عظيمة المشاهد، جمعت بين عذوبة الماء، واعتدال الهواء، وطيب التربة، وحسن الثمرة، وسعة الحرث، وعظيم بركته. تحدد المصادر التاريخية بناء النواة الأولى لمراكش سنة 1070 م من قبل المرابطين ، وهم مجموعة قبائل أمازيغية رحل أتت من الصحراء. وقد تطورت هذه المدينة تحت حكم السلطان يوسف بن تاشفين 1061 - 1107) إلى حد كبير من نتائج التوسع المرابطي في افريقية والأندلس لتصبح المركز السياسي والثقافي للمغرب الإسلامي. بعد استتباب الامر للموحدين عقب دخولهم المدينة سنة 1147م، اتخذوها عاصمة لحكمهم. وأنجزوا بها عدة معالم تاريخية لاتزال تشكل مفخرة عصرهم كصومعة الكتبية بمسجديها،الأسوار، الأبواب والحدائق إضافة إلى قنطرة على وادي تانسيفت ظلت تستعمل حتى عهد قريب. هكذا عرفت مراكش تحت حكم الموحدين إشعاعا كبيرا جعل منها مركزا ثقافيا واقتصاديا وسياسيا لا نظير له في الغرب الإسلامي. وأمام ضعف الموحدين استولى المرينيون القادمون من الشرق سنة 1269م على المدينة غير أنهم اتخذوا فاس عاصمة لهم لقرب هذه الأخيرة من موطنهم الأصلي مما أدى إلى تراجع مدينة مراكش وتحولها لمركز ثانوي. في سنة 1551م استعادت المدينة مكانتها كعاصمة للسعديين 1589م 1659م. فعلى عهدهم تم تشييد بنايات ومنشآت جديدة أهمها قصر البديع ومجمع المواسين ومدرسة ابن يوسف وقبور السعديين وعدد من السقايات. تحت حكم العلويين، قام المولى رشيد بترميم مسجد بن صالح المريني، غير أن خلفه المولى إسماعيل أولى كل اهتمامه بعاصمة حكمه الجديدة مكناس. وقد عمل السلطان سيدي محمد على إعادة مراكش إلى مكانتها وذلك من خلال إنشاء أحياء ومعالم جديدة. ويمكن القول إن مراكش اتخدت شكلها النهائي إبتداءا من فترة حكم هذا السلطان إذ اقتصرت المراحل الموالية على ترميم ما تم انجازه منذ العصر الوسيط. ونظرا لما تزخر به من إرث حضاري كبير، أصبحت مدينة مراكش قبلة للسياحة العالمية ومقرا للمؤتمرات الدولية ذات المستوى الرفيع، لتحتل بذلك مكانة خاصة في المغرب الحديث .وفي الجهة المظلمة من تاريخ مراكش وكما في المدن المغربية الكبرى فقد مورست بهذه المدينة انتهاكات جسيمة في مجال حقوق الانسان تعرض لها موطنون من مدينة البهجة واستهدفت بالخصوص الطلبة المناضلين في صفوف الحركات السياسية والطلابية وكانت بيوتهم تتعرض للحصار والتخريب ومتابعة العائلة بكاملها وكذا تتبع أصغر العناصر فيها حيث يتم التضييق عليهم أينما رحلوا . وتؤكد مختلف الشهادات، سواء تلك التي تدفقت خلال جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الانصاف و المصالحة، او تلك التي حصلنا عليها من خلال مجالستنا لمجموعة من المتضررين المراكشيين ، أن سنوات الجمر بالمغرب امتدت لتشمل مساحات جغرافية مختلفة بالمدينة الحمراء ، و أن لظاها اتسع ليشمل كافة المقهورين او المحرومين بها ، سواء أولئك الذين تمتعوا بقدر من المعرفة و انتظموا في هيآت علنية أو سرية، أو أولئك الذين بحكم فطرتهم، و غيرتهم على الوطن، رفضوا الانصياع لمسلسل الخنوع، على الرغم من انهم لا يتوفرون على مرجعيات فكرية أو عقائدية.. و غير مهيكلين في تنظيمات سياسية... و لعل هاته الفئة، الأخيرة، كانت أكثر تضررا من غيرها، على اعتبار ان النظام المغربي استفرد بها، حيث كان يتم اقتيادهم أمام مرأى العموم بعد مداهمة بيوتهم والتنكيل بأهاليهم حتى يكونوا عبرة لكل المراكشيين ويتم في غالب الأحيان الزج بهم في أقبية كوميسارية جامع الفنا ليمارس عليهم العذاب بشتى أنواعه وتنتهك حقوقهم عن سبق إصرار وترصد وتجهض كرامتهم دون رحمة فلا مأكل ولا شراب ولا غطاء بهذا المخفر الرهيب . يقول منعم السباعي معتقل سابق بالكوميسارية المشؤومة في تصريحه لنا اعتقلت بتلك الكوميسارية وأنا في سن لم يتجاوز السبع سنوات كرهينة بدل أخي الذي كان سيتم اعتقاله خطأ عندما اختلط للجلادين اسمه باسم أحد أبناء كيليز ولما سلم أخي نفسه ذاق زهاء اليومين أمام عيني من العذاب الويلات حتى كاد أن يعترف بما نسب إليه . لولا أنهم توصلوا بعد ذلك إلا أن المعني بالأمر هو شخص آخر وقد رأيت بعيني جهنم وأنا في سن لا يمكنه أن يميز مايحدث أمامه من أهوال كوميسارية جامع الفنا التي جعلتني اللحظات التي قضيتها فيها لاأرغب حتى في الوصول إلى الساحة الجميلة

مريا الزويني
مناضلة من مراكش راكمت الألم والحزن بسبب سنوات الجمر

ومن بين الشهادات التي راكمت الحزن والألم من جراء التعذيب والتنكيل بمراكش إحدى المناضلات اللواتي لاقين من الإهانة ما لاقته مجموعة الستة اللواتي مررنا بدرب مولاي الشريف. تقول ماريا الزويني في إحدى جلسات الإنصاف والمصالحة شهادتي هذه ستنصب أساسا على المعتقلة المغربية والوضعية التي عاشتها في السجون المغربية، وسأركز أساسا على الأخوات اللواتي مررن معي من نفس التجربة لا من حيث المكان ولا من حيث الزمن، واللواتي بطبيعة الحال كنا نحن جميعا ننتمي لجيل كان يعانق مبادئ الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وعايشن فترة خلال طفولتنا وشبابنا كانت مليئة بعدة أحداث سواء على المستوى الوطني كأحداث 1965 أو على المستوى العربي مثل انتكاسة 1967 أو على المستوى الدولي كأحداث ماي 1958 في فرنسا.. إذن هذه الأحداث أثرت في جيل بأكمله، وأخص بالذكر المرأة المغربية المناضلة التي كانت تعاني من العنصرية والميز وعدم تكافؤ الفرص. فكان شبه محرما على الفتاة أن تلج فصول الدراسةمن أجل التعلم . فأنا مثلا كان على والدي أن يتحدى كل العائلة وعقليتها ويرسلني من قرية سيدي الزوين إلى مدينة مراكش لأتابع بها دراستي . إذن في مدينة مراكش بدأت الدراسة واستقريت عند جدتي وبهذه المدينة بالضبط تعرفت على الأحداث عن قرب، بكل عناصرها. أتذكر أثناء أحداث 1965 في أحد الأيام انتظرنا خالي الصغير لمدة يوم بكامله ولم يأت. كانت الإضرابات وكان يدرس في ثانوية دار البارود في مراكش وفي المساء رجع ملطخا بالدم ويده مكسرة، و بعد ذلك فسر لنا على أن الثانوية تعرضت لمهاجمة من طرف البوليس ، وبعد حملة من الضرب والجرح والإهانة أخرجوهم إلى ساحة الثانوية وتركوهم بدون ماء، هذا الحدث بالضبط أثار في أعماقي تساؤلات. ماهو ذنب خالي وأصدقاؤه وهم لايزالون تلاميذا صغارا وكنت آنذاك صغيرة عمري 11 سنة كان إحساسي بالظلم استمر مدة طويلة خصوصا من بعدما اعتقل خالي الآخر،خالي )الله يرحموا معطية أحمد وإبن خالتي أيضا النظيفي مولاي الحسن كانوا أساتذة وهاجم البوليس الدار في الليل واعتقلوهم مع أنني كنت أحترمهم كثيرا وبالنسبة لي كانوا رمزا للكفاءة والتعقل والرزانة. كنا ننمو و يكبر معنا التعطش لمجتمع عادل وفيه المساواة والحرية وكنا نحن الفتيات بالضبط نتعاطف مع من تطاله يد الجلاد لأن فيهم إخواننا وآباؤنا وأخوالنا... على أي منذ الاعدادي كنت شديدة الاهتمام بهذه الأحداث كانت نقاشات تدور في الساحة أو داخل أقسامنا مع الأساتذة أو في بيوتنا وهنا أخص بالذكر أن علاقتنا مع زملائنا الذكور كانت علاقة ممتازة جدا. علاقة كلها إخاء واحترام ومحبة، إذن أقول أننا شاركنا في إضرابات منذ الإعدادي وأحيانا لم نكن نفقه لماذا نحتج ولكن الغضب في داخلنا هو ما كان يجعلنا نتذمر من الوضع .. إذن في ظل هذه الأحداث كلها وعلى مستوى شخصي كان عندي بطبيعة الحال مشروع في دراستي وكنت أحلم أن أصبح طبيبة وفعلا اجتزت الباكلوريا بامتياز وكان هذا هو الشرط الرئيسي كي ألتحق بكلية الطب بالرباط والتحقت بها وكنت أول فتاة تحصل على الباكلوريا وهذا بالنسبة لي افتخارا كبيرا وبالنسبة لأبي أيضا. إذن كان على والدي أن يتحدى عائلته من جهة كي يرسلني للرباط لأن مراكش لم تكن فيها كلية الطب . في سنة 1977 كان الجو الطلابي ساخنا ويعيش مفارقة، فمن جهة كانت الأحزاب تهيئ للانتخابات إذ كانت المناداة بالديمقراطية إلى آخره، ومن جهة كانت محاكمة الدار البيضاء لمناضلي بعض الحركات التي تسمى مجموعة القنيطرة، والتي تضم أساتذة درّسونا وطلبة منا أيضا، كنا نتعاطف معهم بشكل كبير خصوصا مع عائلاتهم وأخص بالذكر الأمهات، قمنا بإضرابات من أجل إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين ... و كانت الاضرابات مسترسلة طيلة السنة، ومباشرة من بعد الانتخابات، ونحن نتهيئ للامتحانات، استغل البوليس هذه الفترة كي يتجند ويعتقل في سنتي 1977 و1978. تمت مهاجمتنا الشرسة من طرف البوليس دون احترام لحرمة الأحياء الجامعية ولا المنازل ولا الثانويات والجامعات كنا نعرف على أنه لا أحد منا في مأمن من الاعتقال والدليل هو الاعتقال الذي تعرضت له أنا و أخي رشيد الزويني، بحيث اعتقل أخي مباشرة من بعد خروجه من قاعة الامتحانات وهو على دراجته النارية وكان في السنة التحضيرية لمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. حيث احتلوا البيت الذي كنا نسكن فيه أنا وأخي وكانت فترة الامتحانات ذهبت صوب مراكش من أجل أن أخبر عائلتي . ففوجئت بزيارة لأشخاص بلباس عادي وفي سيارة عادية واقفين في الباب ينتظروني . بل هجموا على الدار وفتشوا بتدقيق دون أن يحترموا نهائيا الحرمة وحاجيات الوالدة ، إذن اقتادوني للكوميسارية في جامع الفنا بمراكش وخرجت مع بكاء العائلة لأنني أنا الكبيرة. احتفظوا بي وأخبروني بأن الاستنطاق لن يكون في مراكش بل سيكون في الدار البيضاء إلتقيت بمجموعة من الطلبة لم تكن لي بهم معرفة سابقة وهم وداد بواب والعندليب عبد الحق والمرحوم عبد الحق بنيس وعزيز إد بيهي هو الوحيد الذي أعرفه من هذه المجموعة الذي هو من عائلتي والذي سيصبح زوجي فيما بعد، أمضينا ليلة واحدة في الطابق السفلي من الكوميسارية افترشنا الأرض قدم لنا الخبز اليابس لم ننم تلك الليلة وتم أخذنا بعد الإهانة في سيارة شرطة معصوبي العين مقيدين بالأصفاد إلى درب مولاي الشريف حيث وجدنا فيه من العذاب ما لم نشهده في أماكن أخرى. كنا ستة فتيات في المجموعة وهن الأخوات لطيفة اجبابدي، وداد البواب، فاطمة البيه، خديجة البخاري، ونكية بودة، كانت أعمارنا تتراوح بين 18 إلى 22 سنة كنا في ظروف جد قاسية و كان الهدف هو إذلالنا وتعذيبنا المعنوي ، الحجاج أو الحراس الجلادين لا يدعون فرصة تمر دون أن يهينونا بالسب والشتم بشكل المستمر، المرحاض بطبيعة الحال كان عليه التناوب أذكر الترهيب المستمر خصوصا بالنسبة للجدد الذين يلتحقون بنا، كنا نسمى نحن الفتيات بأسماء ذكورية ، مثلا أنا إسمي عبد المنعم والأخت لطيفة كانوا يسمونها سعيد وخديجة كانت عبد الله ووداد كانت حميد، فاطمة كانت رشيد الخ... لن أتحدث عن غياب النظافة نهائيا خصوصا بالنسبة للنساء في وقت العادة الشهرية التي تتمتزج بالدماء و جراح البعض منا وكانت تصل قذارة الجسم للتقمل. أيضا كان هناك تهديد بالإغتصاب بشكل مستمر وعلى المستوى الشخصي وفي ظل هذه الظروف كلها كان عندي سؤالين السؤال الأول هو لماذا أنا هنا. التحقنا بالسجن المدني مباشرة من بعد قاضي التحقيق، غبيلة بالنسبة للفتيات وعكاشة بالنسبة للفتيان. وتمت مباشرة عزلنا المهم أمضينا من السنوات العذاب القسط الكبير كما لاقاه إخواننا المعتقلون في المعتقلات الأخرى وتعرضنا لمحاكمات صورية وللأهانة أثناء التحقيقات ، جسدت عمق المعانات التي تعرضت لها المرأة المغربية ... في النهاية أتمنى أن أكون قد وصلت ولو لجزء بسيط من معاناة المرأة في السجون المغربية وأكرر بأني أتمنى أن تحفظ ذاكرة سنوات الرصاص وأن لا تتعرض الأجيال القادمة لما لاقيناه في سنوات الجمر .

معتقل الكوربيس من مكان لإصلاح الطائرات إلى فضاء لإلحاق الأعطاب بالوطن



إثنا عشر ألف معتقل ذاقوا أبشع أنواع العذاب


الكوربيس من مكان لإصلاح الطائرات إلى فضاء لإلحاق الأعطاب بالوطن


محمد بودردرة
صفد واحد كبلت به رفقة عبد الواحد بلكبير لـمدة شهر


عادل تشيكيطو


كان إسم الكوربيس كافيا ليجعل الرعب يدب في شرايين الدار البيضاء العظيمة. دون غيره تقشعر لرهبته الأبدان خوفا من أن يزج بها فيه وتلتهب بجمر الكوربيس الحارقة.. فالموت به امتياز يمنحه القدر رحمة بالمعذبين.. لا أحد به يعلم إن كان سيستنشق من ريح البيضاء أو لا. اجتهد خدامه في تمزيق جلود المعتقلين بالسوط إلى أن يعترفوا بالمنسوب إليهم دون أن يكونوا قد اقترفوا خطأ.. فالكوربيس المشؤوم اتخذ لنفسه مجداً أجوف عتا به واستبد وأرهق حياة أبرياء ظلما واحتقارا وتحديا لقدسية تلك الأرواح. إنه الجحيم.. إنه الرحلة إلى الموت... محرقة البشر في مدينة عشقت ولازالت تعشق البشر فكانت رحبة به. يعد معتقل ومركز التعذيب الكوربيس من بين أكبر المعتقلات التي عرفت انتهاكات جسيمة في حقوق الإنسان. وقد أحدث هذا المعتقل خلال فترة الستينات وعند بداية السبعينات خصوصا بعد عمليات سنة 1973 المسلحة وقد شهد المعتقل أثناء تلك الفترة أبشع أنواع التعذيب خلال مرحلة الإستنطاقات وسجلت فيه وفيات كما سجلت داخله ولادات. وتقدر منظمة حقوقية عدد المعتقلين الذين مروا بالكوربيس ب 12 ألف معتقل من مختلف مناطق المغرب مكثوا فيه معصوبي العيون مصفدي الأيادي والأرجل في انتظار نتيجة التحقيق معهم، وتوجيههم فيما بعدإلى المحاكم العسكرية أو الجنائية. أو تبرئتهم مع فرض الحراسة المشددة عليهم. ويقع معتقل الكوربيس في أنفاق مطار محمد الخامس أنفا بالدار البيضاء حيث يقال أن هذا الأخير كان يستعمل كمكان لإصلاح الطائرات والإحتفاظ ببعض أجزاءها. وتحول إلى معتقل سري لصعوبة الوصول إليه. ويسهر على إدارة هذا المعتقل الكاب1 الذي كان يرأسه الجنرال محمد أوفقير وتمثله بالدار البيضاء وحدة الأمن الخاصة التي يديرها المدعو صاكا وكان هذا الأخير يتوفر على فرقة خاصة مسؤولة عن كافة عمليات الاختطاف التي وقعت في الدار البيضاء طيلة فترة الستينيات والسبعينيات وهذه الوحدة حسب ما أدلى به عميل المخابرات السابق أحمد البخاري لإحدى الصحف الوطنية، كانت مكلفة بالإختطاف والإستنطاق والتعذيب والتخلص من الجثت في حالة وقوع حالة وفيات، وقد التحق بها وقادها المدعو صاكا سنة 1966. وكانوا ينهجون قبل عملية الإختطاف والتعذيب طريقة جمع التقارير. فبمجرد توصل إدارة الكاب 1 بالرباط بمعلومات حول أحد الناشطين في المجال السياسي أو الحقوقي حتى تسارع إلى إرسال تيليكس إلى رئيس الفرقة الخاصة بالدار البيضاء إذ يطلب منه القيام ببحث دقيق عن الشخص المطلوب، وبعد 3 أو 4 أيام تتوصل إدارة الكاب 1 بالرباط بتقرير مفصل على الشخص، ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الثانية ـ كما سماها أحمد البخاري ـ حيث يصدر أمر على رئيس العملية التقنية عبد الحميد جسوس عميد شرطة ممتازالذي يرسل رجاله ويجندهم لخدمة العشعاشي. وهكذا يقوم هؤلاء بتتبع ومراقبة الشخص المطلوب لمدة أسبوع إلى عشرة أيام بدون توقف مع تدوين حركاته والتزاماته وبرنامجه اليومي وعلاقاته وأوقات دخوله وخروجه. وبذلك فإن العملية التي تسبق الإختطاف كانت تضم 4 تقارير للفرق الخاصة وتقارير للفرقة التقنية ويقرر بعدها العشعاشي ساعة الإختطاف ومن سيقوم به. ليتم اختطاف أحدهم والمضي به مباشرة إلى مركز التعذيب الكوربيس حينها يتمنى المختطف أن تأخذ روحه على أن تستمر فوقه ألوان التعذيب ويتلذذ الجلاد ويبدع في طرق إذلاله وإخضاعه.. فالمعذبون بالكوربيس حكوا بمرارة عذاب هذا الأخير وعجز معظمهم عن وصف فظاعة مايقع بهذا المعتقل بل إن منهم من أصيب باضطرابات عقلية ومنهم من حمل بدنه عاهات جسدية. وإعاقات ظلت شاهدة على إجرام الجلادين الذين لم يذخروا جهدا في تذليل الإنسان وجعله ­ إن كتبت له الحياة ­ يعيش حالة الذعر طيلة عمره ويصارع الكوابيس التي تقظ مضجعه كلما أراد أن يغمض جفن الراحة.

الوطن أقوى من سوط الجلاد

محمد بودردرة في شهادته أمام هيئة الإنصاف والمصالحة بإحدى جلسات الإستماع. اعتبر أن التجارب الفردية للمعتقلين هي بالضرورة تجارب جماعية لأن قمع الفرد هو قمع للمجتمع برمته ومس بكرامته وهو يقصد بذلك حالة الذعر التي ركبت المجتمع خصوصا عند سماعه لحكايات التعذيب التي دارت بمعتقل كالكوربيس. وهو ما يسبب جرحاً جماعيا. فقد عاش محمد بودردرة الألم الفردي عندما مورس عليه التعذيب بهذا المعتقل وقاسى العذاب الجماعي عندما لمحت عيناه أفواجا من المعتقلين الأبرياء يزج بهم في الكوربيس ويعدبون بدون رحمة. عن تجربته الأليمة في معتقلات العار وخصوصا الكوربيس يقول محمد بودردرة حوكمت غيابيا بالسجن المؤبد ومصادرة الأملاك رغم أني لم أكن أملك شيئا وبعد مدة قضيتها في المعتقلات السرية حوكمت مرة أخرى بالبراءة لكن وقع اختطافي من جديد يوم 1973/09/20 في إطار الأحداث العامة التي وقعت أنذاك. ومابين الإختطاف وتاريخ إيداعي بالسجن قضيت 4 أشهر و22 يوما بالعصابة والقيود في مراكز الإعتقال السري بالرباط ودرب مولاي الشريف والكوربيس بالدار البيضاء. وفي هذين المركزين وصلت وحشية التعذيب الفردي والجماعي إلى درجة أن عددا كبيراً من المختطفين مثلي إما توفوا وإما وصلوا إلى أعلى درجات الحمق والجنون. إنه منظر لن أنساه أبداً. فالكوربيس.. المكان الرهيب جمع فيه المئات من المناضلين الذين اعتقلوا سنة 1973. وهو فضاء شاسع كان يستعمل لإصلاح الطائرات )c'est des Hangars . فإذا به يحول في وقت لاحق إلى إلحاق الضرر والأعطاب بالإنسان. كنانمضي كل الفترة بالكوربيس معصوبي العين مقيدين ويمنع علينا التكلم مع بعضنا البعض كانت تعطى لكل منا بدلة كاكية عسكرية قديمة ومهترئة جداً، وكان الجميع ينام على الأرض وكان الفصل فصل شتاء ونظراً لندرة الماء فقد تراكمت الأوساخ على الجميع مما جعل أجسام جل المعتقلين مرتعا خصبا للقمل، حتى لمَّا تريد أن تلامس أي طرف من الوجه فإنك تجد يديك مملوءة بالقمل. وهنا أتذكر شيوخ مولاي بوعزة 1973 الذين نالوا القسط الأكبر من الإعتقالات. كان أغلبهم تجاوز الستين كانوا بكثرة التعذيب ونتيجة لكبر سنهم يعجزون عن تنظيف رؤوسهم من القمل وكنا أنذاك شبابا في مقتبل العمر كان معي عزيز المنبهي وعبد الواحد بلكبير، كنا نحاول أن نساعدهم. أتذكر أن أغلبية هؤلاء الشيوخ يصلي وحتى الذي لم يكن يصلي أصبح يصلي حتى يحقق الطمأنينة لنفسه كانوا في صفوف متراصة والكل )بالمينوط و الباندة واللحي والشعر الطويل، وعند نهاية الصلاة يبدأ المصلون بالدعاء بتنقيلنا إلى درب مولاي الشريف، تصوروا معي حتى جحيم مولاي الشريف أصبح بالنسبة لناجنة. معنى ذلك أن الكوربيس كان حلقة وسط جهنم. هذه الصور جعلتني لن أنسى أبدا جميع المعتقلين الذين كانوا معي، أي رجال قبائل أيت حديدو رجال ونساء وأطفال مولاي بوعزة كلميمة الراشيدية تنغير عين شعير تمسمان وكذلك فكيك وغيرها من قبائل الشهامة والصمود والكرامة. إن الجراح التي بداخلي ليست جراح ذاتية ولكنها جراح جماعية.. وسأحكي لكم إحدى مظاهر الإستهثار بالإنسان. فقد كبلوني أنا وعبد الواحد بلكبير بصفد واحد لمدة شهر ونحن ننام به ونذهب لبيت النظافة بقيد واحد ولانفترق أينما ذهب أحدنا إلا وتجد الآخر إلى جواره وكأن المسؤولين ليست لديهم أصفاد أخرى .. إنها الجراح التي مست ثلة من أبناء هذا الشعب فمات واستشهد العديد منهم. الذين مروا بدار المقري ودرب مولاي الشريف والكوربيس وتازمامارت وأكدز وغيرهم من المعتقلات السرية والتي أزهقت فيها أرواح الكثير منهم ووفاء لذكراهم يقول محمد بودردة وفاء لذكرى الضحايا المتوفين ولكي يكون لاستشهادهم معنى لايحق لأي كان أن يتلاعب بمصير أبناء هذا الشعب ولا أن يعتبرهم أقل من مواطنين. فنحن لسنا أقل من مواطنين ولسنا أقل من إنسان ومن كان في السابق يعتقد ذلك إلى درجة غيَّب فيها كل القوانين والأعراف ­ يضيف محمد بودردرة ­ فإن التاريخ أظهر له عكس ذلك . نعم لقد أظهر التاريخ للجميع أن الوطن وأبناؤه أقوى من أن يلطخ الجلادون سجلاته التاريخية بحماقات الإعتقال والإغتيال والإختطاف والتعذيب. الوطن أقوى من سوط الجلاد ومن جدران معتقل الرهبة.. معتقل الكوربيس

دركي من حراس معتقل تزمامارت يحكي فظاعة ما عاشه وشاهده


معتقل الرعب في تازمامارت

دركي من حراس الـمعتقل يحكي فظاعة ما عاشه وشاهده في تزمامارت


عادل تشيكيطو

تزمامارت الجرح الغائر في الزمن المغربي... الجرج الذي تراكمت فيه كل تجليات القسوة والألم والموت الفظيع.. إنه الجحيم.. الموت المؤلم.. الحقيقة الأبشع من أي وصف أو تسمية. تزمامارت المأساة الجارحة التي عاش أطراف حقيقتها رجال فقدت ملامح رجولتهم ... أضاعوا كل مايمت لهم بصلة البشر... تزمامارت الإسم المشؤوم والشبح الذي أرعَب السادة وضم في عمقه أسرار انقلابات كان فيها المهاجمون ضحايا مؤامرة دنيئة.. هذا المسمى تزمامارت الذي أسقط مملكة الكلام وأجمع سيرتها في صور.. عبرات المعذبين فيه أبيضت في المدى ولونت بتعب القهر.. تزمامرت.. الصرخة الجائعة التي طاردت ذاكرة مغاربة القرن العشرين.. كانت قلوبهم في يديه ولا طريق تحملهم إليه.. يرعبهم ويفجر رؤوس القابعين في زنازن الشؤم والخوف. وجوههم أصبحت بلا ملامح وحواسهم أتعبها انتظار الموت الذي يأتي ببطء بعدما يفسح المجال للسنوات من العذاب والمرارة والألم .إنهم المدمرون عنوة تحت ركام الخزي والعار ... معتقلو تازمامارت .
في سنة 1981 التحق بالمعتقل الرهيب تازمامارت بعدما كان نزلاؤه جلهم عسكريون ثلاثة من المدنيين يتعلق الأمر بالأخوة بوريكات اختطفوا في بداية السبعينيات واحتجزوا بدون محاكمة في معتقل درب مولاي الشريف في الدار البيضاء لسنوات ثم معتقل الكومبليكس ليتم ترحيلهم في بداية الثمانينيات إلى تزمامارت لينالوا حظهم من جحيمه وبقي سبب اختطافهم سرا ملتبسا وكل ما يعرف عنهم أنهم كانوا مقربين من الراحل الحسن الثاني .الذي قيل إن أباهم كان هو المسؤول عن الاستعلامات بالقصر الملكي وأن هناك خطأ فادحاً ورطه في أحد الإنقلابات وهو ما عرضه إلى القتل ودفع بأبنائه إلى الزج بهم في جحيم تازمامارت . وقبل ذلك بسنتين جيء بمجموعة من الجنود الأفارقة تضاربت الأخبار بشأنهم أنهم من متمردي الكونغو. كان اسم تزمامارت بالنسبة للمغاربة في عقدي السبعينيات والثمانينيات شبحا مخيفا يوجد في مكان ما لا يعرفه أحد فيه تختبر أقصى درجات القسوة والحقد والألم كان الإسم كافيا لنشر الرعب والترهيب. فقد فرضت على سجنائه الحراسة المشددة وتم عزلهم عن العالم الخارجي , و البعض منهم استسلم لبؤسه والبعض الآخر ظل يقاوم. ومن حسن حظهم أن بعضهم نجح في كسب تعاطف بعض الحراس الذين أصبحوا ينقلون بسرية تامة رسائلهم إلى عائلاتهم وإدخال الأدوية وبعض المواد المقوية للمعتقلين الذين كانوا يقاسون الموت الحتمي , فسمح ذلك بالإبقاء على مجموعة قليلة منهم على قيد الحياة , وكانت فرصة أيضا لخروج أخبار عن معتقل تزمامارت والظروف اللاإنسانية التي وضع فيها السجناء كما كان من حسن حظ المعتقلين أيضا أن أحد رفاقهم القبطان الطويل ربان الطائرة الذي تحدث عن دوره محمد الرايس كان متزوجا بسيدة تحمل جنسية أمريكية , عندما توصلت برسائل زوجها التي تتحدث عن ظروف اعتقاله وفظاعاتها توجهت إلى الكونجرس الأمريكي وطلبت من لجنة حقوق الإنسان به التدخل العاجل لدى السلطات المغربية للإفراج عن زوجها وباقي المعتقلين بتزمامارت وكانت النتيجة من ذلك أن حظي القبطان الطويل بمعاملة جيدة دون إطلاق سراحه فتحسنت تغذيته وأصبح يغتسل يوميا ويخرج إلى ساحة المعتقل بفضل تدخل زوجته الأمريكية ومع ذلك ظل ينتظر قرار الإفراج لسنوات طويلة لكن دون جدوى وكان الطويل أول من اكتشف بأن المكان الذي يوجد فيه المعتقل قرب منطقة الريش والراشيدية بعدما عدّ الوقت الذي طارت فيه الطائرة من مطار القاعدة الجوية بالقنيطرة وتأكد له ذلك خصوصا عندا مرت الشاحنات بأحد الأنفاق الجبلية الوحيد التي وجدت بالمغرب . وفي نهاية الثمانينيات وجدت الرسائل التي يبعثها المعتقلون سرا إلى عائلاتهم طريقها إلى الصحافة الدولية حين نشرت في عدة جرائد ذات الصيت العالمي , وبث مضمونها على أمواج إذاعات في فرنسا وإنجلترا وهولندا وبلجيكا واسبانيا , ولم يعد تزمامارت سرا تحتكره أجهزة تابعة للدولة وإنما فضيحة دولية مست بسمعة المغرب وأصبح على الدولة معالجتها في بداية 1989انتقلت الجرافات إلى ساحة المعتقل وأخذت في حفر مستطيل كبير وأيقن المعتقلون أن الأمر يتعلق بإعدام معالم هذه الفضيحة , في هذه الأثناء عاودت السيدة نانسي زوجة المعتقل الطويل مساعيها لدى الكونجرس الأمريكي وطالبت بلجنة تحقيق في الظروف اللاإنسانية لمعتقلي تزمامارت , فتوقف الحفر في ساحة السجن. بعد ذلك تقدمت منظمة العفو الدولية بتقرير حول هذا المعتقل السري هز المجتمع الدولي وقادت زوجة المعارض المغربي أبراهام السرفاتي السيدة كريستين السرفاتي حملة دولية في بلدان أوروبا لفائدة هؤلاء المعتقلين وصعدت الحركات الحقوقية في المغرب مطالبتها بالإفراج الفوري عن كل المعتقلين والمختطفين وضمنهم ضحايا تزمامارت وكذلك بالنسبة للقوى السياسية الديمقراطية . وكان أن أجاب وزير الداخلية أنذاك إدريس البصري سنة 1990 عن سؤال في البرلمان أن تازمامارت لاتوجد إلا في مخيلة البعض. و بعد 18 سنة من الصمت الرهيب إلى الفضح الدولي لم يعد أمام النظام المغربي سوى الرضوخ لمطالب هذه الحركة وحل هذا المشكل بأكثر السبل فعالية وفي 15 سبتمبر 1991 فتحت أبواب الزنان المظلمة و لم يكن عدد الناجين من الموت يتعدى 28 معتقلا نزعت منهم ملابسهم الرثة وكل الأشياء التي تدل على هذه التراجيديا وأحرقت أمامهم ومنحوا بدلا عسكرية نظيفة وأحذية رياضية وعصبت أعينهم مرة أخرى بالعصابات الحمراء كان أغلبهم في وضعية متدهورة حملوا على شاحنات عسكرية ونقلوا إلى المستشفى لتلقي العلاجات والخضوع إلى العناية المركزة لمحو آثار 18 سنة من الموت البطيء بتزمامارت. وعندما تحسنت حالتهم أعلن رسميا عن الإفراج عنهم .
عبد الرحمان دركي متقاعد سابق التقيناه صدفة وأبدى اهتمامه بالموضوع وأبحر معي في رحلة ممتطيا صهوة الذكريات المؤلمة . كان عبد الرحمن واحداً من أولئك السجانين الذين أمضوا فترة قليلة جداً بهذا المعتقل الرهيب وبعد إلحاح منا وتعهدنا بعدم ذكر إسمه أو شيء من هويته حكى لنا بعض من تفاصيل القهر التي وقف عليها لمدة لم تتعد 24 ساعة. ..في أحد أيام ربيع 1977 كلفنا بمهمة كنا نجهلها من الدار البيضاء إلى الراشيدية وبعد وصولنا إلى هذه المدينة وجدنا في استقبالنا أحد المسؤولين الجهويين بالدرك سبقنا في سيارة جيب حيث توجهنا إلى مدينة الريش التي تبعد عن الراشيدية تقريبا ب 80 كلم وعند خروجنا منها ووصولنا إلى منعرج الطريق المؤدية إلى كرامة مررنا بجبل عيون مولاي هاشم ثم حامات مولاي علي الشريف وغار زعبل ثم قرية قصر أيت عثمان الواقعة عند منحدر جبل الزفت الذي يوجد في قمته رادار الأجواء المغربية الذي كان يشرف عليه الكولونيل رحوم . والذي يقرب من عين الشعير البعيدة عن الحدود الجزائرية بما يقارب 200 كلم وفي هذه المنطقة ثبتت قواعد ثكنة تازمامارت القريبة من قرية قصر تازمامارت.. ولجنا الثكنة التي سبقنا إليها القائد الجهوي عبر بابين كبيرين وجدنا في استقبالنا مدير الثكنةمعتقل تازمامارت وكانت تبدو على وجهه الشاحب علامات الإرهاق.. على عجل قال لنا إننا هنا من أجل حراسة مجموعة من أعداء الوطن الذين أرادوا أن يغرقوا البلاد في الفوضى وعلينا أن لانرحمهم.. إلى حدود ذلك الوقت لم نكن نعرف مهمتنا بالضبط. وجهنا نحن ثمانية دركيين نحو مراكز مختلفة.. حاولت في الوهلة الأولى أن أكتشف المكان لكن تسلسل الأحداث وازدحامها والوقت المسائي الذي وصلنا فيه لم يدع لي فرصة التعرف على المكان. أمضينا الليلة ننفض عن جسدنا التعب. وكان ذلك الليل فرصة لأجالس دركي وعسكري وأسألهما عن المكان ومايوجد فيه من أجل أن أشبع فضولي.. كان أول ما أخبروني به هو صرامة مدير السجن صهر الجنرال الدليمي كان قبطانا شارك في حرب الصين والجولان وتجند في صفوف الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية ثم قالوا لي إن المجموعة المكفول لها حراسة هذا المعتقل هي المجموعة الثانية للمدرعات... بدأ الرعب يدبُّ في شراييني بعدما سمعته من جلسائي من وقائع مرعبة في تلك الليلة التي لن أنساها أبداً.. ولكي يقتلوا في الشجاعة التي مافتئت أن تظاهرت بها أمامهم أخبروني عن الجن والحمق والموت والعقارب والأفاعي التي تقتل هؤلاء المعتقلين في كل حين.. وفي الغد في الساعة السادسة صباحاً كانت أول مهمة وآخرها تم تكليفي بها إلى جانب مجموعة من السجانين هي دفن جثة أكل الدود نصفها وشوه القيح والقرف وجهها.. دخلنا إلى زنزانة .. أصبت بالدوارٍ والقيء لما شممت الرائحة المنبعثة منها سخر مني السجانون الآخرون من بينهم دركي قال لي بالحرف كلنا كنّا هكذا اليوم الأول.. طلبوا مني أن أبقى خارج الزنزانة حتى أخرجوا الجثة المتلاشية وأخذوها في غطاء كله ثقب وحالته يندى لها الجبين.. تساءلت مع نفسي هل سأعيش هذا السيناريو يوميا.. وعند وقوفي أمام الحفرة التي ستطمر فيها الجثة طلب مني المدير أن أساعد الآخرين في حملها اقتربت لأنفذ الأوامر ولم أتمالك نفسي وأنا أبصر الدود يأكل من لحم الجثة دون أن يكثرت لما نفعله بها فانهرت مغمى عليّ.. وحملت إلى مصحة صغيرة مجانبة لمكتب المدير بعدما رش الماء على وجهي أفقت وقد بصرت عيناي وجها مشحونا بالغضب كان لمدير المعتقل الذي انهال علي بالسب وقال لي إن مكاني ليس في الدرك أو مع العسكر وإنما في المطبخ مع النساء.. وزاد وفي نبرته شحنة الوعيد والتهديد وقال لو لم تكن من عائلة القبطان فلان لدفنتك في مكان تلك الجثة وطلب مني أن أجمع أغراضي.. وفي الثانية زوالا حضر أحد المسؤولين بسرية الراشيدية وأرسلني معه بعدما هددني أنه إذا ما أخبرت أحداً بما رأيت فإنني لامحالة سأتعرض لما شاهدته وسمعت عنه من جحيم تازمامارت.. وطلب مني أن أبلغ سلامي إلى زوج عمتي القبطان... كانت هذه هي قصتي مع تازمامارت.. استمعنا باهتمام إلى قصة هذا الدركي ولأننا لانملك الدليل على صحة ما أخبرنا به فإنه يكفينا التعليق على أن هذه الوقائع تنسجم مع بعض من فظاعة تزمامارت القاتلة

حينما قادت مراحيض تازمامارت إلى الجنون والـموت



معتقل الرعب في تازمامارت
محمد الرايس يتحدث عن الـمأساة
حينما قادت مراحيض تازمامارت إلى الجنون والـموت
عادل تشيكيطو
تزمامارت الجرح الغائر في الزمن المغربي... الجرج الذي تراكمت فيه كل تجليات القسوة والألم والموت الفظيع.. إنه الجحيم.. الموت المؤلم.. الحقيقة الأبشع من أي وصف أو تسمية. تزمامارت المأساة الجارحة التي عاش أطراف حقيقتها رجال فقدت ملامح رجولتهم ... أضاعوا كل مايمت لهم بصلة البشر... تزمامارت الإسم المشؤوم والشبح الذي أرعَب السادة وضم في عمقه أسرار انقلابات كان فيها المهاجمون ضحايا مؤامرة دنيئة.. هذا المسمى تزمامارت الذي أسقط مملكة الكلام وأجمع سيرتها في صور.. عبرات المعذبين فيه أبيضت في المدى ولونت بتعب القهر.. تزمامرت.. الصرخة الجائعة التي طاردت ذاكرة مغاربة القرن العشرين.. كانت قلوبهم في يديه ولا طريق تحملهم إليه.. يرعبهم ويفجر رؤوس القابعين في زنازن الشؤم والخوف. كانت الأحداث التي طبعت أجندة الصراع على السلطة بالمغرب من بين ما تسبب في جعل النظام المغربي يعيش حالة من التوتر. وهو كذلك ما دفع مجموعة من حاملي السلاح إلى الطمع في اعتلاء كرسي السلطة ليحاولوا من خلال عملياتهم الإنقلابية زعزعة النظام العام المغربي .ففي فترة وجيزة لم تتجاوز السنتين قام العسكر المغربي بعمليتين انقلابيتين أرادوا من خلالها أن يدخلوا المغرب ضمن قائمة الدول التي أحكمت قبضة الجيش عنقها وتحكم في مصيرها .وقد كانت العملية الأولى يوم 10 يوليوز1971 التي حاول القيام بها كل من الجنرال المدبوح والكولونيل اعبابو عن طريق الإستعانة بطلبة المدرسة العسكرية هرمومو والمدرسين الضباط وضباط الصف بعدما أقنعهم الكولونيل اعبابو أن العملية العسكرية التي سيقومون بها هي من أجل إنقاذ الملك، وقد فشلت العملية وتم إعدام قوادها والحكم على المشاركين فيها بسنوات معدودة من السجن لتليها بعد ذلك العملية الإنقلابية التي نفذها الجنرال أوفقير الساعد الأيمن للملك حينها في 16 غشت1972 ، بمعية الجنرال أمقران واتمويرة الذين قادوا هجوما على الطائرة التي كانت تقل الراحل الحسن الثاني، قصد الإطاحة به، وفشلت المحاولة الانقلابية الثانية وقتل أوفقير في ظروف ملتبسة وأعدم باقي الجنرالات الذين قادوا هذه العملية، وفي مقدمتهم أوفقير وأمقران، وحوكم باقي الضباط وضباط الصف والجنود العاديين الذين شاركوا فيها وألحقوا بمعتقلي انقلاب الصخيرات بالسجن المركزي بالقنيطرة .عندما وقعت المحاولة الانقلابية الثانية التي استهدفت الطائرة الملكية 1972 راجت أخبار بسجن القنيطرة أن معتقلي انقلاب الصخيرات سينقلون إلى فيلا صغيرة تسمي تازمامارت، ولم يكن أحدا منهم يتخيل أن يكون هذا المكان المشؤوم بدرجة القسوة التي تنتظرهم ­ نسي المعتقلون هذه الشائعة وعاشوا حياتهم العادية في السجن المركزي طيلة سنة1972 ، ونصف1973 ، في تلك الأثناء وقعت أحداث أخرى في المغرب في جنوبه وشماله من حالات التمرد والثورات . مما جعل أجهزة القمع في المغرب تبادر إلى اختطاف كل المعتقلين والهروب بهم نحو جحيم تازمامارت . فقد تم اقتيادهم ليلا نحو القاعدة الجوية العسكرية بالقنيطرة والتحليق بهم إلى مطار مدينة الراشيدية شرق المغرب. واقتيد المختطفون 58شخصا عبر الشاحنات إلى معتقل تزمامارت القريب من الحدود المغربية الجزائرية . كان الاستقبال الأول قاسيا , حيث خضع كل المعتقلين لتفتيش دقيق وجردوا من أبسط الأشياء التي كانت بحوزتهم كالنظارات والسبحة والقرآن , ثم وزعوا على إقاماتهم الجديدة التي كانت زنازن جد ضيقة لا يتجاوز طولها مترين وعرضها متر ونصف المتر بلا نوافذ ولا ضوء ولا هواء نقي , كانت شديدة الظلمة إلى الحد الذي لزمهم فيه وقت طويل لتلمس زواياها التي ظلت شيئا مجهولا بالنسبة لهم لمدة طويلة . كانت الشمس شيئا يسمع عنه ولا يرى , والضوء ذكرى زمن جميل ولى، لم يكن أمامهم سوى الاستسلام لعتمة أبدية مات فيها الكثيرون وجن الآخرون واهترأت عظام الباقي , لحسن حظهم أن أصواتهم لم تجف فكانت وسيلتهم الوحيدة في التواصل بينهم . لم تكن الظلمة الدائمة هي المؤشر الوحيد على فظاعة هذا المعتقل السري، فالزنازن كانت إضافة إلى كونها أقرب إلى قبور مظلمة لدفن هؤلاء الأحياء، أشبه بحظائر الحيوانات، روائح نتنة تفوح منها امتزجت بروائح المراحيض التي لا تنظف بسبب قلة المياه وروائح أجساد حرمت لسنوات طويلة 18سنة، من النظافة والاغتسال والعلاج , فتقرحت جراحها وتقيحت وتعفنت أطرافها، وأصبحت عبارة عن مركب من العاهات والأمراض التي لم تكن تجد أبسط دواء لعلاجها . كما سدت ميازيب المراحيض بسبب ندرة المياه , فنجم عن ذلك فيضان المياه القذرة، وغرقت فيه الزنازن، وفاحت الرائحة النتنة في أنحاء السجن كله , وانتشر الذباب والناموس والحشرات من كل لون , وأصيب العديد من المعتقلين بالسجن بالسل . محنة المراحيض كان لها طعم مأساوي قاد إلى جنون بعض السجناء وأودى بحياة البعض الآخر . لقد كان الموت حقيقة جارية محتومة لكل النزلاء في تزمامارت ،حيث أقبرت فيه أرواح مجموعة من الشبان لمدة تزيد على 18 سنة كانت كلها عذابات مؤرقة . وتمثل حالة لاجودان العيدي الذي وافته المنية في عشرين فبراير 1978، والتي ذكرها الكاتب المغربي عبد الصمد الكباص ضمن مقال له نشر بإحدى الصحف العربية بعنوان سنوات العــذاب في جحيم تزمامارت، واحدة من هذه المآسي فقد حكم عليه بثلاث سنوات سجنا في قضية الطائرة الملكية , وكان من المفروض أن يغادر السجن بعد إنهائه العقوبة سنة 1975، ولكن أبقي عليه محتجزا بتزمامارت و بدأت مأساته حسب ما يحكيه رفاقه الناجون من هذا الجحيم , عندما سدت مواسير المرحاض، و حدّث العيدي حارس السجن , ففزعه هذا الأخير قبل أن يمنحه إبريق ماء إضافي لكن ذلك لم ينفع في شيء . وطلب منهم سلكا حديديا لانتشال ما علق بالمواسير وظل يحاول أزيد من أسبوع بدون نتيجة , كانت الروائح الكريهة تملأ الزنزانة وتثير غثيان الحراس ­ يضيف عبد الصمد الكباص ­ كلما فتحوا بابها , وفاض الماء الوسخ وعام في أرضية الزنزانة التي تحولت إلى حوض ماء يسبح فيه الغائط , وامتد إلى الممر .. وكلما كان يقضي حاجته كان مستوى الماء والبراز يزداد ، إلى أن تعذر عليه العيش في الزنزانة التي التصق الغائط بجنباتها . وضع العيدي ثوبا على أنفه حتى لا تزكمه الروائح القاتلة , لكن العفن مس كل شيء , يديه وأدواته والبلاط .. توسل للحراس باستبدال زنزانته .. لكنهم رفضوا في لا مبالاة , فحرم نفسه من الأكل حتى لا يرتاد المرحاض , ولم يكف عن الاحتجاج إلى أن بدأ يسعل وأصابه المرض . لم يسعفه أحد كما جرت العادة الرهيبة بتزمامارت . بقي يسعل ويبصق الدم دون اكتراث الحراس , وتيقن العيدي بإصابته بداء السل فتسلل إليه الجنون شيئا فشيئا وأخذ يصيح ويصرخ ويبكي إلى أن انهار نهائيا ودمره المرض وتلاشى ومات . ويؤكد الكباص أن وفاة العيادي لم تكن الحالة الوحيدة التي عرفها معتقل تزمامارت. فقد هلك فيه وفي ظل نفس الشروط ثلاثون من العسكريين ، منهم من قضى بسبب الجنون أو الهزال والأمراض المختلفة التي كانت تصيبهم، إضافة إلى حالات أخرى في صفوف مختطفين آخرين كالجنود الأفارقة الذين رحلوا إليه سنة 1978،وحالة الرجل الذي كان يشتغل ككهربائي بالقصر فاختطف وأودع بتزمامارت بدون محاكمة ولأسباب غير معروفة وبقي فيه إلى أن هلك متعفنا في أمراضه , وكان كل من يموت يدفن في ساحة المعتقل ملفوفا في غطائه القذر . مع مرور السنين أصبح قلة من نزلاء تزمامارت هم الذين يستطيعون المشي على أقدامهم , أما أغلبهم فقد صاروا يزحفون على بطونهم بعد ما شلت أطرافهم أو يسيرون كحيوانات على أربعة قوائم بسبب سوء أحوالهم .. وكثير من المعتقلين بلغ بهم الضعف إلى الحد الذي لم يعودوا قادرين على الوقوف لقضاء حاجتهم فأصبحوا يتبولون ويتغوطون في أماكنهم . جحيم تزمامارت حول نزلائه إلى هياكل عظمية بأعين غائرة وشعر كثيف كإنسان الكهف . إذ ليس لهم الحق في الاغتسال . وجوههم أصبحت بلا ملامح وحواسهم أتعبها انتظار الموت الذي يأتي ببطء بعدما يفسح المجال لسنوات من العذاب والمرارة والألم


عن هذا الوضع المحرج اللإنساني لهؤلاء المعتقلين يحكي محمد الرايس في مذكراته التي كتبها ولقيت اقبالا مشهودا واعتمدت كوثيقة شخصت بتفصيل خلفيات العتقال بتازمامارت وما تلاه من معاناة العذاب الأليم من خلال كتابه من الصخيرات إلى تزمامارت تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم . تفاصيل تلك الليالي الرهيبة يحكيها محمد الرايس قائلا عن ليلة اختطافه من السجن المركزي بالقنيطرة أيقظني أحد الحراس وأمرني بجفاء أن أستعد لرحلتي الطارئة نحو وجهة مجهولة . اعتقدت بأنه مجرد كابوس , فوقفت فاغرا فمي لا أعي كلماته ومداها زادت حيرتي لما كرر أوامره نفسها على مسامع المعتقلين الآخرين . ..كنا في عز الصيف والحرارة خانقة , رغم طراوة الليل التي تخفف الأجواء وتسهل علينا التنفس , فجأة فتح الباب ودخل كبير الحراس الذي أمرنا بلهجة صارمة بمغادرة الزنزانة والسير خلفه , ذهلت عندما رأيت هذا الإنسان الكئيب الذي لا يفتر ثغرة عن ابتسامة , نفذت بدون نقاش , لأنني كنت أعرف أنني لن أتلقى جوابا من هذا الشخص المحنط والمنفر . سرت على خطواته بشكل أكبر مثلما هو حال المعتقلين الآخرين , سرنا ونحن صامتون بمحاذاة الجدار المتسخ للبهو الكبير المعتم والكئيب إلى أن وصلنا المكتب وجدنا به الكومندان لـ بمعية دركيين بملامح متجهمة مسلحين بالرشاشات والمسدسات وبأيديهم أيضا الأصفاد والعصابات الحمراء . عصبوا عيوننا ثم وضعوا الأصفاد في أيدينا , ثم أركبونا شاحنات عسكرية غطيت بعناية , لم يكن الطريق طويلا , لأننا وصلنا بعد ربع ساعة إلى القاعدة الجوية الثالثة , لم تكن تبعد كثيرا عن السجن المركزي بالقنيطرة , أركبونا طائرتين عسكريتين 130 و 119, أمر الكومندان التلسماني الطيار وقائد المهمة بأن توثق أيادينا خلفنا وليس أمامنا , مزيدا من الحراسة والأمن . كان النهار قد طلع ولم أكن أحس بدورة الزمن لأنني كنت طوال الرحلة مشغولا بهذا الترحيل الطارئ الذي أيقنت أنه يهيئ لي مفاجآت غير سارة , فلم يخامرني شك في أن القادم من الأحداث سيتخذ مجرى آخر... . وعن وصلات التعذيب يحكي الرايس واصفا بمرارة همجية الجلاد الذي جعلني تحت رحمة سوطه إذ لم يخل التحقيق من وجبات التعذيب التي وصف إحداها الأشبرال الرايس في مذكراته قائلا بدأ بتقييد معصمي بواسطة حزام جلدي ثم ربط رجلي بحزام ثان , ثم ضغط على ظهري إلى أن أجبرني على الانحناء إلى أن مس رأسي قدمي ودخل صدري بين فخذي , ثم أدخل قضيبا حديديا تحت ركبتي اليمنى ثم مرره تحت ذراعي وصدري وكنت أشبه بخروف مهيأ للشواء . رفعني دركيان لأجد نفسي معلقا في الهواء، صدري إلى الأسفل، ورأسي إلى الخلف، جاء سجان بدلو مليء بالماء، وبال فيه،وقبل أن يضع إسفنجة متسخة على منخاري وفمي،قال لي سأشربك بولي وهو لذيذ، لأنني شربت الجعة كثيرا، ثم ملأ القرافة بالماء المخلوط بالبول، وصب الحمولة في منخاري، أحسست باختناق في صدري،وصعب تنفسي،وكلما زاد من الخليط، زادت آلامي، ظننت أن رئتي ستنفجر . ما كان بإمكاني أن أصرخ أو أتحدث، كان السجان يدرك اللحظة التي يجب أن يتوقف فيها، ولسوء حظي كان هذا الأسلوب أول القطر فقط .... ­ ويضيف الرايس في الصفحة 110 من كتابه ­ ... ما استنتجته من الأحداث التي تقع لنا بتزمامارت هو الإرادة الثابتة في دفننا بدون وجه حق وإعطائنا القليل من الطعام حتى نموت موتا بطيئا ويطول عذابنا النفسي والجسدي... تازمامارت إنه الموت المحقق لكل الذين أركنوا في زوايا العتمة التي أنستهم انتماءهم إلى الأرض والوطن .