jeudi 6 décembre 2007

دركي من حراس معتقل تزمامارت يحكي فظاعة ما عاشه وشاهده


معتقل الرعب في تازمامارت

دركي من حراس الـمعتقل يحكي فظاعة ما عاشه وشاهده في تزمامارت


عادل تشيكيطو

تزمامارت الجرح الغائر في الزمن المغربي... الجرج الذي تراكمت فيه كل تجليات القسوة والألم والموت الفظيع.. إنه الجحيم.. الموت المؤلم.. الحقيقة الأبشع من أي وصف أو تسمية. تزمامارت المأساة الجارحة التي عاش أطراف حقيقتها رجال فقدت ملامح رجولتهم ... أضاعوا كل مايمت لهم بصلة البشر... تزمامارت الإسم المشؤوم والشبح الذي أرعَب السادة وضم في عمقه أسرار انقلابات كان فيها المهاجمون ضحايا مؤامرة دنيئة.. هذا المسمى تزمامارت الذي أسقط مملكة الكلام وأجمع سيرتها في صور.. عبرات المعذبين فيه أبيضت في المدى ولونت بتعب القهر.. تزمامرت.. الصرخة الجائعة التي طاردت ذاكرة مغاربة القرن العشرين.. كانت قلوبهم في يديه ولا طريق تحملهم إليه.. يرعبهم ويفجر رؤوس القابعين في زنازن الشؤم والخوف. وجوههم أصبحت بلا ملامح وحواسهم أتعبها انتظار الموت الذي يأتي ببطء بعدما يفسح المجال للسنوات من العذاب والمرارة والألم .إنهم المدمرون عنوة تحت ركام الخزي والعار ... معتقلو تازمامارت .
في سنة 1981 التحق بالمعتقل الرهيب تازمامارت بعدما كان نزلاؤه جلهم عسكريون ثلاثة من المدنيين يتعلق الأمر بالأخوة بوريكات اختطفوا في بداية السبعينيات واحتجزوا بدون محاكمة في معتقل درب مولاي الشريف في الدار البيضاء لسنوات ثم معتقل الكومبليكس ليتم ترحيلهم في بداية الثمانينيات إلى تزمامارت لينالوا حظهم من جحيمه وبقي سبب اختطافهم سرا ملتبسا وكل ما يعرف عنهم أنهم كانوا مقربين من الراحل الحسن الثاني .الذي قيل إن أباهم كان هو المسؤول عن الاستعلامات بالقصر الملكي وأن هناك خطأ فادحاً ورطه في أحد الإنقلابات وهو ما عرضه إلى القتل ودفع بأبنائه إلى الزج بهم في جحيم تازمامارت . وقبل ذلك بسنتين جيء بمجموعة من الجنود الأفارقة تضاربت الأخبار بشأنهم أنهم من متمردي الكونغو. كان اسم تزمامارت بالنسبة للمغاربة في عقدي السبعينيات والثمانينيات شبحا مخيفا يوجد في مكان ما لا يعرفه أحد فيه تختبر أقصى درجات القسوة والحقد والألم كان الإسم كافيا لنشر الرعب والترهيب. فقد فرضت على سجنائه الحراسة المشددة وتم عزلهم عن العالم الخارجي , و البعض منهم استسلم لبؤسه والبعض الآخر ظل يقاوم. ومن حسن حظهم أن بعضهم نجح في كسب تعاطف بعض الحراس الذين أصبحوا ينقلون بسرية تامة رسائلهم إلى عائلاتهم وإدخال الأدوية وبعض المواد المقوية للمعتقلين الذين كانوا يقاسون الموت الحتمي , فسمح ذلك بالإبقاء على مجموعة قليلة منهم على قيد الحياة , وكانت فرصة أيضا لخروج أخبار عن معتقل تزمامارت والظروف اللاإنسانية التي وضع فيها السجناء كما كان من حسن حظ المعتقلين أيضا أن أحد رفاقهم القبطان الطويل ربان الطائرة الذي تحدث عن دوره محمد الرايس كان متزوجا بسيدة تحمل جنسية أمريكية , عندما توصلت برسائل زوجها التي تتحدث عن ظروف اعتقاله وفظاعاتها توجهت إلى الكونجرس الأمريكي وطلبت من لجنة حقوق الإنسان به التدخل العاجل لدى السلطات المغربية للإفراج عن زوجها وباقي المعتقلين بتزمامارت وكانت النتيجة من ذلك أن حظي القبطان الطويل بمعاملة جيدة دون إطلاق سراحه فتحسنت تغذيته وأصبح يغتسل يوميا ويخرج إلى ساحة المعتقل بفضل تدخل زوجته الأمريكية ومع ذلك ظل ينتظر قرار الإفراج لسنوات طويلة لكن دون جدوى وكان الطويل أول من اكتشف بأن المكان الذي يوجد فيه المعتقل قرب منطقة الريش والراشيدية بعدما عدّ الوقت الذي طارت فيه الطائرة من مطار القاعدة الجوية بالقنيطرة وتأكد له ذلك خصوصا عندا مرت الشاحنات بأحد الأنفاق الجبلية الوحيد التي وجدت بالمغرب . وفي نهاية الثمانينيات وجدت الرسائل التي يبعثها المعتقلون سرا إلى عائلاتهم طريقها إلى الصحافة الدولية حين نشرت في عدة جرائد ذات الصيت العالمي , وبث مضمونها على أمواج إذاعات في فرنسا وإنجلترا وهولندا وبلجيكا واسبانيا , ولم يعد تزمامارت سرا تحتكره أجهزة تابعة للدولة وإنما فضيحة دولية مست بسمعة المغرب وأصبح على الدولة معالجتها في بداية 1989انتقلت الجرافات إلى ساحة المعتقل وأخذت في حفر مستطيل كبير وأيقن المعتقلون أن الأمر يتعلق بإعدام معالم هذه الفضيحة , في هذه الأثناء عاودت السيدة نانسي زوجة المعتقل الطويل مساعيها لدى الكونجرس الأمريكي وطالبت بلجنة تحقيق في الظروف اللاإنسانية لمعتقلي تزمامارت , فتوقف الحفر في ساحة السجن. بعد ذلك تقدمت منظمة العفو الدولية بتقرير حول هذا المعتقل السري هز المجتمع الدولي وقادت زوجة المعارض المغربي أبراهام السرفاتي السيدة كريستين السرفاتي حملة دولية في بلدان أوروبا لفائدة هؤلاء المعتقلين وصعدت الحركات الحقوقية في المغرب مطالبتها بالإفراج الفوري عن كل المعتقلين والمختطفين وضمنهم ضحايا تزمامارت وكذلك بالنسبة للقوى السياسية الديمقراطية . وكان أن أجاب وزير الداخلية أنذاك إدريس البصري سنة 1990 عن سؤال في البرلمان أن تازمامارت لاتوجد إلا في مخيلة البعض. و بعد 18 سنة من الصمت الرهيب إلى الفضح الدولي لم يعد أمام النظام المغربي سوى الرضوخ لمطالب هذه الحركة وحل هذا المشكل بأكثر السبل فعالية وفي 15 سبتمبر 1991 فتحت أبواب الزنان المظلمة و لم يكن عدد الناجين من الموت يتعدى 28 معتقلا نزعت منهم ملابسهم الرثة وكل الأشياء التي تدل على هذه التراجيديا وأحرقت أمامهم ومنحوا بدلا عسكرية نظيفة وأحذية رياضية وعصبت أعينهم مرة أخرى بالعصابات الحمراء كان أغلبهم في وضعية متدهورة حملوا على شاحنات عسكرية ونقلوا إلى المستشفى لتلقي العلاجات والخضوع إلى العناية المركزة لمحو آثار 18 سنة من الموت البطيء بتزمامارت. وعندما تحسنت حالتهم أعلن رسميا عن الإفراج عنهم .
عبد الرحمان دركي متقاعد سابق التقيناه صدفة وأبدى اهتمامه بالموضوع وأبحر معي في رحلة ممتطيا صهوة الذكريات المؤلمة . كان عبد الرحمن واحداً من أولئك السجانين الذين أمضوا فترة قليلة جداً بهذا المعتقل الرهيب وبعد إلحاح منا وتعهدنا بعدم ذكر إسمه أو شيء من هويته حكى لنا بعض من تفاصيل القهر التي وقف عليها لمدة لم تتعد 24 ساعة. ..في أحد أيام ربيع 1977 كلفنا بمهمة كنا نجهلها من الدار البيضاء إلى الراشيدية وبعد وصولنا إلى هذه المدينة وجدنا في استقبالنا أحد المسؤولين الجهويين بالدرك سبقنا في سيارة جيب حيث توجهنا إلى مدينة الريش التي تبعد عن الراشيدية تقريبا ب 80 كلم وعند خروجنا منها ووصولنا إلى منعرج الطريق المؤدية إلى كرامة مررنا بجبل عيون مولاي هاشم ثم حامات مولاي علي الشريف وغار زعبل ثم قرية قصر أيت عثمان الواقعة عند منحدر جبل الزفت الذي يوجد في قمته رادار الأجواء المغربية الذي كان يشرف عليه الكولونيل رحوم . والذي يقرب من عين الشعير البعيدة عن الحدود الجزائرية بما يقارب 200 كلم وفي هذه المنطقة ثبتت قواعد ثكنة تازمامارت القريبة من قرية قصر تازمامارت.. ولجنا الثكنة التي سبقنا إليها القائد الجهوي عبر بابين كبيرين وجدنا في استقبالنا مدير الثكنةمعتقل تازمامارت وكانت تبدو على وجهه الشاحب علامات الإرهاق.. على عجل قال لنا إننا هنا من أجل حراسة مجموعة من أعداء الوطن الذين أرادوا أن يغرقوا البلاد في الفوضى وعلينا أن لانرحمهم.. إلى حدود ذلك الوقت لم نكن نعرف مهمتنا بالضبط. وجهنا نحن ثمانية دركيين نحو مراكز مختلفة.. حاولت في الوهلة الأولى أن أكتشف المكان لكن تسلسل الأحداث وازدحامها والوقت المسائي الذي وصلنا فيه لم يدع لي فرصة التعرف على المكان. أمضينا الليلة ننفض عن جسدنا التعب. وكان ذلك الليل فرصة لأجالس دركي وعسكري وأسألهما عن المكان ومايوجد فيه من أجل أن أشبع فضولي.. كان أول ما أخبروني به هو صرامة مدير السجن صهر الجنرال الدليمي كان قبطانا شارك في حرب الصين والجولان وتجند في صفوف الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية ثم قالوا لي إن المجموعة المكفول لها حراسة هذا المعتقل هي المجموعة الثانية للمدرعات... بدأ الرعب يدبُّ في شراييني بعدما سمعته من جلسائي من وقائع مرعبة في تلك الليلة التي لن أنساها أبداً.. ولكي يقتلوا في الشجاعة التي مافتئت أن تظاهرت بها أمامهم أخبروني عن الجن والحمق والموت والعقارب والأفاعي التي تقتل هؤلاء المعتقلين في كل حين.. وفي الغد في الساعة السادسة صباحاً كانت أول مهمة وآخرها تم تكليفي بها إلى جانب مجموعة من السجانين هي دفن جثة أكل الدود نصفها وشوه القيح والقرف وجهها.. دخلنا إلى زنزانة .. أصبت بالدوارٍ والقيء لما شممت الرائحة المنبعثة منها سخر مني السجانون الآخرون من بينهم دركي قال لي بالحرف كلنا كنّا هكذا اليوم الأول.. طلبوا مني أن أبقى خارج الزنزانة حتى أخرجوا الجثة المتلاشية وأخذوها في غطاء كله ثقب وحالته يندى لها الجبين.. تساءلت مع نفسي هل سأعيش هذا السيناريو يوميا.. وعند وقوفي أمام الحفرة التي ستطمر فيها الجثة طلب مني المدير أن أساعد الآخرين في حملها اقتربت لأنفذ الأوامر ولم أتمالك نفسي وأنا أبصر الدود يأكل من لحم الجثة دون أن يكثرت لما نفعله بها فانهرت مغمى عليّ.. وحملت إلى مصحة صغيرة مجانبة لمكتب المدير بعدما رش الماء على وجهي أفقت وقد بصرت عيناي وجها مشحونا بالغضب كان لمدير المعتقل الذي انهال علي بالسب وقال لي إن مكاني ليس في الدرك أو مع العسكر وإنما في المطبخ مع النساء.. وزاد وفي نبرته شحنة الوعيد والتهديد وقال لو لم تكن من عائلة القبطان فلان لدفنتك في مكان تلك الجثة وطلب مني أن أجمع أغراضي.. وفي الثانية زوالا حضر أحد المسؤولين بسرية الراشيدية وأرسلني معه بعدما هددني أنه إذا ما أخبرت أحداً بما رأيت فإنني لامحالة سأتعرض لما شاهدته وسمعت عنه من جحيم تازمامارت.. وطلب مني أن أبلغ سلامي إلى زوج عمتي القبطان... كانت هذه هي قصتي مع تازمامارت.. استمعنا باهتمام إلى قصة هذا الدركي ولأننا لانملك الدليل على صحة ما أخبرنا به فإنه يكفينا التعليق على أن هذه الوقائع تنسجم مع بعض من فظاعة تزمامارت القاتلة

Aucun commentaire: