jeudi 6 décembre 2007

معتقل الكوربيس من مكان لإصلاح الطائرات إلى فضاء لإلحاق الأعطاب بالوطن



إثنا عشر ألف معتقل ذاقوا أبشع أنواع العذاب


الكوربيس من مكان لإصلاح الطائرات إلى فضاء لإلحاق الأعطاب بالوطن


محمد بودردرة
صفد واحد كبلت به رفقة عبد الواحد بلكبير لـمدة شهر


عادل تشيكيطو


كان إسم الكوربيس كافيا ليجعل الرعب يدب في شرايين الدار البيضاء العظيمة. دون غيره تقشعر لرهبته الأبدان خوفا من أن يزج بها فيه وتلتهب بجمر الكوربيس الحارقة.. فالموت به امتياز يمنحه القدر رحمة بالمعذبين.. لا أحد به يعلم إن كان سيستنشق من ريح البيضاء أو لا. اجتهد خدامه في تمزيق جلود المعتقلين بالسوط إلى أن يعترفوا بالمنسوب إليهم دون أن يكونوا قد اقترفوا خطأ.. فالكوربيس المشؤوم اتخذ لنفسه مجداً أجوف عتا به واستبد وأرهق حياة أبرياء ظلما واحتقارا وتحديا لقدسية تلك الأرواح. إنه الجحيم.. إنه الرحلة إلى الموت... محرقة البشر في مدينة عشقت ولازالت تعشق البشر فكانت رحبة به. يعد معتقل ومركز التعذيب الكوربيس من بين أكبر المعتقلات التي عرفت انتهاكات جسيمة في حقوق الإنسان. وقد أحدث هذا المعتقل خلال فترة الستينات وعند بداية السبعينات خصوصا بعد عمليات سنة 1973 المسلحة وقد شهد المعتقل أثناء تلك الفترة أبشع أنواع التعذيب خلال مرحلة الإستنطاقات وسجلت فيه وفيات كما سجلت داخله ولادات. وتقدر منظمة حقوقية عدد المعتقلين الذين مروا بالكوربيس ب 12 ألف معتقل من مختلف مناطق المغرب مكثوا فيه معصوبي العيون مصفدي الأيادي والأرجل في انتظار نتيجة التحقيق معهم، وتوجيههم فيما بعدإلى المحاكم العسكرية أو الجنائية. أو تبرئتهم مع فرض الحراسة المشددة عليهم. ويقع معتقل الكوربيس في أنفاق مطار محمد الخامس أنفا بالدار البيضاء حيث يقال أن هذا الأخير كان يستعمل كمكان لإصلاح الطائرات والإحتفاظ ببعض أجزاءها. وتحول إلى معتقل سري لصعوبة الوصول إليه. ويسهر على إدارة هذا المعتقل الكاب1 الذي كان يرأسه الجنرال محمد أوفقير وتمثله بالدار البيضاء وحدة الأمن الخاصة التي يديرها المدعو صاكا وكان هذا الأخير يتوفر على فرقة خاصة مسؤولة عن كافة عمليات الاختطاف التي وقعت في الدار البيضاء طيلة فترة الستينيات والسبعينيات وهذه الوحدة حسب ما أدلى به عميل المخابرات السابق أحمد البخاري لإحدى الصحف الوطنية، كانت مكلفة بالإختطاف والإستنطاق والتعذيب والتخلص من الجثت في حالة وقوع حالة وفيات، وقد التحق بها وقادها المدعو صاكا سنة 1966. وكانوا ينهجون قبل عملية الإختطاف والتعذيب طريقة جمع التقارير. فبمجرد توصل إدارة الكاب 1 بالرباط بمعلومات حول أحد الناشطين في المجال السياسي أو الحقوقي حتى تسارع إلى إرسال تيليكس إلى رئيس الفرقة الخاصة بالدار البيضاء إذ يطلب منه القيام ببحث دقيق عن الشخص المطلوب، وبعد 3 أو 4 أيام تتوصل إدارة الكاب 1 بالرباط بتقرير مفصل على الشخص، ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الثانية ـ كما سماها أحمد البخاري ـ حيث يصدر أمر على رئيس العملية التقنية عبد الحميد جسوس عميد شرطة ممتازالذي يرسل رجاله ويجندهم لخدمة العشعاشي. وهكذا يقوم هؤلاء بتتبع ومراقبة الشخص المطلوب لمدة أسبوع إلى عشرة أيام بدون توقف مع تدوين حركاته والتزاماته وبرنامجه اليومي وعلاقاته وأوقات دخوله وخروجه. وبذلك فإن العملية التي تسبق الإختطاف كانت تضم 4 تقارير للفرق الخاصة وتقارير للفرقة التقنية ويقرر بعدها العشعاشي ساعة الإختطاف ومن سيقوم به. ليتم اختطاف أحدهم والمضي به مباشرة إلى مركز التعذيب الكوربيس حينها يتمنى المختطف أن تأخذ روحه على أن تستمر فوقه ألوان التعذيب ويتلذذ الجلاد ويبدع في طرق إذلاله وإخضاعه.. فالمعذبون بالكوربيس حكوا بمرارة عذاب هذا الأخير وعجز معظمهم عن وصف فظاعة مايقع بهذا المعتقل بل إن منهم من أصيب باضطرابات عقلية ومنهم من حمل بدنه عاهات جسدية. وإعاقات ظلت شاهدة على إجرام الجلادين الذين لم يذخروا جهدا في تذليل الإنسان وجعله ­ إن كتبت له الحياة ­ يعيش حالة الذعر طيلة عمره ويصارع الكوابيس التي تقظ مضجعه كلما أراد أن يغمض جفن الراحة.

الوطن أقوى من سوط الجلاد

محمد بودردرة في شهادته أمام هيئة الإنصاف والمصالحة بإحدى جلسات الإستماع. اعتبر أن التجارب الفردية للمعتقلين هي بالضرورة تجارب جماعية لأن قمع الفرد هو قمع للمجتمع برمته ومس بكرامته وهو يقصد بذلك حالة الذعر التي ركبت المجتمع خصوصا عند سماعه لحكايات التعذيب التي دارت بمعتقل كالكوربيس. وهو ما يسبب جرحاً جماعيا. فقد عاش محمد بودردرة الألم الفردي عندما مورس عليه التعذيب بهذا المعتقل وقاسى العذاب الجماعي عندما لمحت عيناه أفواجا من المعتقلين الأبرياء يزج بهم في الكوربيس ويعدبون بدون رحمة. عن تجربته الأليمة في معتقلات العار وخصوصا الكوربيس يقول محمد بودردرة حوكمت غيابيا بالسجن المؤبد ومصادرة الأملاك رغم أني لم أكن أملك شيئا وبعد مدة قضيتها في المعتقلات السرية حوكمت مرة أخرى بالبراءة لكن وقع اختطافي من جديد يوم 1973/09/20 في إطار الأحداث العامة التي وقعت أنذاك. ومابين الإختطاف وتاريخ إيداعي بالسجن قضيت 4 أشهر و22 يوما بالعصابة والقيود في مراكز الإعتقال السري بالرباط ودرب مولاي الشريف والكوربيس بالدار البيضاء. وفي هذين المركزين وصلت وحشية التعذيب الفردي والجماعي إلى درجة أن عددا كبيراً من المختطفين مثلي إما توفوا وإما وصلوا إلى أعلى درجات الحمق والجنون. إنه منظر لن أنساه أبداً. فالكوربيس.. المكان الرهيب جمع فيه المئات من المناضلين الذين اعتقلوا سنة 1973. وهو فضاء شاسع كان يستعمل لإصلاح الطائرات )c'est des Hangars . فإذا به يحول في وقت لاحق إلى إلحاق الضرر والأعطاب بالإنسان. كنانمضي كل الفترة بالكوربيس معصوبي العين مقيدين ويمنع علينا التكلم مع بعضنا البعض كانت تعطى لكل منا بدلة كاكية عسكرية قديمة ومهترئة جداً، وكان الجميع ينام على الأرض وكان الفصل فصل شتاء ونظراً لندرة الماء فقد تراكمت الأوساخ على الجميع مما جعل أجسام جل المعتقلين مرتعا خصبا للقمل، حتى لمَّا تريد أن تلامس أي طرف من الوجه فإنك تجد يديك مملوءة بالقمل. وهنا أتذكر شيوخ مولاي بوعزة 1973 الذين نالوا القسط الأكبر من الإعتقالات. كان أغلبهم تجاوز الستين كانوا بكثرة التعذيب ونتيجة لكبر سنهم يعجزون عن تنظيف رؤوسهم من القمل وكنا أنذاك شبابا في مقتبل العمر كان معي عزيز المنبهي وعبد الواحد بلكبير، كنا نحاول أن نساعدهم. أتذكر أن أغلبية هؤلاء الشيوخ يصلي وحتى الذي لم يكن يصلي أصبح يصلي حتى يحقق الطمأنينة لنفسه كانوا في صفوف متراصة والكل )بالمينوط و الباندة واللحي والشعر الطويل، وعند نهاية الصلاة يبدأ المصلون بالدعاء بتنقيلنا إلى درب مولاي الشريف، تصوروا معي حتى جحيم مولاي الشريف أصبح بالنسبة لناجنة. معنى ذلك أن الكوربيس كان حلقة وسط جهنم. هذه الصور جعلتني لن أنسى أبدا جميع المعتقلين الذين كانوا معي، أي رجال قبائل أيت حديدو رجال ونساء وأطفال مولاي بوعزة كلميمة الراشيدية تنغير عين شعير تمسمان وكذلك فكيك وغيرها من قبائل الشهامة والصمود والكرامة. إن الجراح التي بداخلي ليست جراح ذاتية ولكنها جراح جماعية.. وسأحكي لكم إحدى مظاهر الإستهثار بالإنسان. فقد كبلوني أنا وعبد الواحد بلكبير بصفد واحد لمدة شهر ونحن ننام به ونذهب لبيت النظافة بقيد واحد ولانفترق أينما ذهب أحدنا إلا وتجد الآخر إلى جواره وكأن المسؤولين ليست لديهم أصفاد أخرى .. إنها الجراح التي مست ثلة من أبناء هذا الشعب فمات واستشهد العديد منهم. الذين مروا بدار المقري ودرب مولاي الشريف والكوربيس وتازمامارت وأكدز وغيرهم من المعتقلات السرية والتي أزهقت فيها أرواح الكثير منهم ووفاء لذكراهم يقول محمد بودردة وفاء لذكرى الضحايا المتوفين ولكي يكون لاستشهادهم معنى لايحق لأي كان أن يتلاعب بمصير أبناء هذا الشعب ولا أن يعتبرهم أقل من مواطنين. فنحن لسنا أقل من مواطنين ولسنا أقل من إنسان ومن كان في السابق يعتقد ذلك إلى درجة غيَّب فيها كل القوانين والأعراف ­ يضيف محمد بودردرة ­ فإن التاريخ أظهر له عكس ذلك . نعم لقد أظهر التاريخ للجميع أن الوطن وأبناؤه أقوى من أن يلطخ الجلادون سجلاته التاريخية بحماقات الإعتقال والإغتيال والإختطاف والتعذيب. الوطن أقوى من سوط الجلاد ومن جدران معتقل الرهبة.. معتقل الكوربيس

Aucun commentaire: